دروس الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ" ( لم يراجع من قبل الشيخ )


بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ" ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الطهارة

P

يقول المصنف-رحمه الله-: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ

الشرح:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فقد ذكر المصنف-عليه رحمة الله- هذه الترجمة بقوله "باب ما جاء في التشديد في البول" والمقصود من هذا الباب أن يبين الأحاديث التي وردت عن النبي -- والتي تدل على نجاسة البول كما أنها تدل على حرمة التساهل في البول وهذا الباب قد سبقه بابان وكلاهما يتعلقان بمسألة المياه ، وأما هذا الباب والذي يليه فإنهما يتعلقان بمسألة تسمى عند العلماء-رحمهم الله- بمسألة الفضلات وذلك أنه يسألك الإنسان عن حكم فضلة الآدمي وفضلة الحيوان ، فيسألك عن فضلة الآدمي هل هي نجسة أوهي طاهرة ؟ فيسألك عن البول وعن الغائط والعرق ودم الاستحاضة والحيض ونحو ذلك من فضلات الآدمي هل حكمها الطهارة أو حكمها النجاسة ؟ وكذلك يسألك عن فضلة الحيوان هل هي طاهرة أو نجسة ؟

فاعتنى العلماء-رحمهم الله- من المحدثين والفقهاء ببيان حكم فضلة الآدمي .

وفضلة الحيوان وفي هذا الباب سنتكلم عن المسألة الأولى وهي مسألة فضلة الآدمي وذلك أن البول يعتبر فضلة من فضلات الآدمي وهو أحد الخوارج من السبيلين .

وفضلات الآدمي تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : ما كان خارجاً من السبيلين . والقسم الثاني : ما كان خارجاً من غير السبيلين .

فأما الذي يخرج من السبيلين فلا يخلو عن حالتين :

الحالة الأولى : أن يكون خارجاً من القبل . والحالة الثانية : أن يكون خارجاً من الدبر .

فأما الخارج من القبل فإنه يشمل ثمانية أنواع : الأول : البول ، والثاني: الودي ، والثالث : المذي ، والرابع المني ، والخامس: دم الحيض ، والسادس : دم النفاس ، والسابع : دم الاستحاضة ، والثامن : رطوبة فرج المرأة .هذه الأربعة الأخيرة تعتبر خاصة بالنساء .

 

وبناءً على ذلك فهناك ثمانية فضلات يسأل الناس عن حكمها هل هي طاهرة أو نجسة ..؟؟

فأما النوع الأول وهو البول : فقد أجمع العلماء-رحمهم الله-على أنه فضلة نجسة وقد دلت على ذلك النصوص الصحيحة عن رسول الله -- ففي الصحيحين من حديث الأعرابي لما بال في المسجد قال-عليه الصلاة والسلام-:(( أريقوا على بوله سجلاً من الماء)) فدل على أن بول الآدمي نجس وبول الآدمي له حالتان :

الحالة الأولى : أن يكون من الصغير الذي لم يطعم الطعام من الذكور . والحالة الثانية : أن يكون من غيره .

فأما الصبي الذي لم يطعم الطعام فقد اختلف العلماء في بوله على قولين :

القول الأول : إن بوله نجس ولكن الشريعة خففت في طهارته فأمرتنا بنضحه ولم تأمرنا بغسل بول الغلام الذي لم يأكل الطعام وهذا هو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وطائفة من أهل الحديث أن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يعتبر نجساً ولكن الشريعة خففت في طهارته وأمرت بنضحه ولم تأمر بغسله .

والقول الثاني : وقد ذهب داود الظاهري وأصحابه -رحمة الله على الجميع - إلى القول بأن بول الغلام الذي لم يطعم الطعام يعتبر طاهراً .

وقد استدل جمهور العلماء بما ثبت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس أن النبي -- أوتي بصبي لم يطعم فأجلسه في حجره فبال على النبي -- قالت فأمر فنضحه ولم يغسله فدل هذا الحديث على أن البول نجس ولكن الشريعة خففت فيه لعموم البلوى به ، ولذلك نضح النبي-- بوله ولم يغسل واستدل الظاهرية على طهارته بنفس الحديث وهو استدلال ضعيف لأن النضح لا يمنع الوصف بالنجاسة وهي الأصل .

وأما بول الآدمي من غير الغلام فإن العلماء أجمعوا على أنه نجس سواء كان من الرجال أو كان من النساء فإذا أصاب بول الرجل أو بول المرأة الثوب فإنه لا يجوز أن يصلي به حتى يغسله لأن النبي-- أمر بتطهير أرض المسجد من بول الأعرابي فأخذ جماهير السلف والخلف من هذا دليلاً على أن بول الآدمي نجس .

النوع الثاني الودي : والودي قطرات يسيرة تخرج عقب البول ، وهو ماء أكدر ، وقد قال جماهير العلماء بنجاسته ، حتى ذكر بعض العلماء أن الودي يعتبر فضلة من البول ، وفضلة الشيء آخذة حكم ذلك الشيء ، وبناءً على ذلك نصوا على أن الودي يعتبر نجساً .

وأما النوع الثالث فهو المذي : والمذي قطرات لزجة تخرج عند بداية الشهوة ، والفرق بين الودي والمذي أن المذي يكون عند الشهوة والودي يكون في آخر البول قطرات فيها صديد ، أو فيها كدرة ، وأما بالنسبة للمذي فإنه يكون لزجاً ، وهذا المذي نص جماهير السلف والخلف على نجاسته لأن النبي - - أمر علياً أن ينضح فرجه وأن يتوضأ منه ، فدل هذا الحديث الصحيح على أن المذي آخذ حكم البول ؛ ولذلك قالوا بنجاسته ، واختلفوا في كيفية إزالة النجاسة على قولين -سيأتي بيانهـما إن شاء الله تعالى -.

أما النوع الرابع فهو المني : والمني هو الماء الأبيض الثخين الذي يخرج دفقاً من الرجال ، والأصفر الرقيق بالنسبة للنساء ، ويوصف بالدفق فالفرق بينه وبين المذي أن كلاً منهما يشترك في كونه منبعثاً بسبب الشهوة ؛ ولكن المني يخرج دفقاً والمذي يخرج قطرات ، وقد ثبت في نص الكتاب ما يدل على وصف المني بذلك في قوله--:{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} فدل هذا على كون المني يخرج كثيراً ودفقاً بشهوة ، وقد قال-عليه الصلاة والسلام-:((إذا فضخت الماء فاغتسل)) فدل على هذا الوصف المؤثر ؛ ولذلك قال بعض العلماء إذا خرج المني قطرات قليلة لا يوجب الغسل ، -وسيأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله في أبواب الغسل - .

وقد اختلف العلماء في هذه الفضلة من الآدمي هل مني الآدمي يعتبر نجساً أو يعتبر طاهراً ؟ على قولين :

القول الأول : فذهب فقهاء الحنفية والمالكية-رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المني نجس .

القول الثاني : وذهب فقهاء الشافعية والحنابلة-رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المني طاهر .

وقد اختلف العلماء في هذا المسألة-وسيأتي بيانها إن شاء الله في أبواب الغسل-.

وأصح القولين والعلم عند الله أن المني طاهر ؛ لأن أم المؤمنين كما ثبت في الصحيح كانت تفركه من ثوب رسول الله-- وكان يخرج وإن أثر المني في ثوبه ، ولو كان المني نجساً لم يصل فيه النبي-- .

وأما فضلات النساء من القبل:

فأولها دم الحيض : وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على أن دم الحيض نجس ، ودم الحيض هو دم يرخيه رحم المرأة على سبيل الصحة ، لا على سبيل المرض والولادة ، فخرج بقولهم على سبيل الصحة لا على سبيل المرض دم الاستحاضة لأنه يخرج بانفجار العرق ، ولذلك سماه النبي-- بقوله:(( إنما ذلكِ عرق)) وهو العاذل أو العاذر أو العاند ثلاثة أسماء وردت في النصوص عن النبي -- ، ودم الحيض نجس ؛ لأن النبي-- قال:((لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فإذا هي خلفت ذلك فلتغسل الدم ولتصل)) فدل على أنه نجس ، وفي الصحيح من قوله- عليه الصلاة والسلام-:(( اغسلي عنك الدم وصلي)) فدل هذا على أن دم الحيض نجس ، والإجماع منعقد على نجاسته كما حكاه الإمام النووي وغيره-رحمة الله على الجميع- .

وأما بالنسبة لدم النفاس: فحكمه حكم دم الحيض بإجماع العلماء - رحمهم الله - ، ولذلك وصف النبي-- الحيض بكونه نفاساً ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين - رضي الله عنها - في حجة الوداع أنها كانت مع النبي -- نائمة قالت فانسللت فقال - عليه الصلاة والسلام -:(( مالك أنفست ؟)) أي هل حضت فدل على أن الحيض والنفاس واحد ؛ ولذلك أجمع العلماء على أن دم النفاس يعتبر نجساً ، وأما دم الاستحاضة فإنه انفجار لعرق كما ذكرنا ، وهو نجس لأن النبي - - أمر أن المستحاضة تعصب فرجها وأن تغسله للصلاة فدل على أنه كالبول سواء بسواء ، -وسيأتي إن شاء الله بسط مسائل الاستحاضة في أبوابها-.

وأما النوع الرابع من فضلات قبل المرأة : فهو رطوبة فرج المرأة : وهو السائل المعروف الذي أوجده الله-- لحكمة في ذلك الموضع تمنع جفافه ، وله في ذلك الحكمة البالغة كما ذكر العلماء - رحمهم الله - ، وهذه الرطوبة للعلماء فيها قولان :

فذهب جمهور العلماء إلى أن رطوبة فرج المرأة تعتبر نجسة ، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي - - أنه قال - في الرجل إذا جامع امرأته ولم ينـزل- قال:(( ليغسل ما أصابه منها)) قال جمهور العلماء فقوله: (( ليغسل ما أصابه منها )) حديث صحيح يدل على أن العضو قد تنجس بذلك الماء اللزج ، وهو الذي يوصف بكونه رطوبة لفرج المرأة ، ومن هنا قالوا بنجاسته لثبوت هذه السنة الصحيحة عن النبي-- ، ولكن إذا كانت الرطوبة كثيرة تزعج المرأة وتستمر معها كالاستحاضة فإنها تأخذ حكم المرأة المستحاضة سواء بسواء ، ولذلك تغسل الفرج وتعصبه لدخول وقت كل صلاة ثم تصلي حتى يخرج الوقت ، ولو خرجت معها هذه الرطوبة.

وأما بالنسبة لفضلات الدبر ، ففضلات الدبر من الآدمي تشتمل على أنواع :

النوع الأول الغائط : وهو نجس بإجماع العلماء سواء كان جامداً أو كان مائعاً ، وقد أجمع العلماء-رحمهم الله- على أن الغائط نجس ، ولذلك استنجى منه النبي - - وأمر بتطهير الدبر منه ، فدل على نجاسته والإجماع منعقد على ذلك .

أما النوع الثاني فهو البواسير : والبواسير لها حالتان :

الحالة الأولى : أن تكون داخل الدبر . والحالة الثانية : أن تكون خارج الدبر على حلقته .

فأما ما كان من البواسير الداخلية فإنه ينقض الوضوء ، وما كان من البواسير من خارج فإنه لا ينقض الوضوء ، وأما نجاستهما فإنه نجس فدم البواسير يعتبر نجساً سواء كان من داخل أو من خارج ، وسنبين وجه النجاسة في مسألة الدم ، ولذلك تعتبر البواسير كدم الاستحاضة لأنه خارج نجس أفضلته العروق كدم الاستحاضة من قبل المرأة ، وقد وردت النصوص عن النبي-- وفي كتاب الله-- تدل دلالةً واضحةً على نجاسة الدم ، فهذان الخارجان من الدبر يعتبران نجسين .

وأما بالنسبة للخارج الطاهر كالحصى والدود فإن الحصى والدود إذا خرج من الدبر له حالتان :

الحالة الأولى : أن يخرج الحصى وتخرج الدود وقد تشربت بالنجاسة إما مائعاً وإما جامداً ، فإذا خرج الدود ومعه بِلَّة أو معه أثر البراز فإنه يعتبر نجساً في قول جماهير العلماء - رحمهم الله - .

وأما إذا خرج الحصى بدون أن يكون هناك أثر للنجس الذي في الدبر : فمن العلماء من حكم بانتقاض الوضوء وبكونه نجساً ؛ لأن الحكم للغالب والغالب أنه متشرب بالنجاسة ، ومنهم من يقول بالطهارة وعدم نقض الوضوء إذا خرج الحصى والدود غير رطب ، والأول أوجه ، - وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة في أحكام النواقض -.

وأما بالنسبة لفضلة الآدمي من غير السبيلين :

ففضلة الرأس تنقسم إلى أجزاء :

فهناك فضلة من العين ، وفضلة من الأنف ، وفضلة من الفم ، وفضلة من الأذن .

فأما فضلة العين : فهي الدموع وما يكون من الصمغ في المحاجر ، فهذا بإجماع العلماء -رحمهم الله- يعتبر طاهراً ؛ ولذلك لم يغسل النبي-- عينيه من الدمع ، ففي الصحيح من حديث عبدالله بن مسعود- وأرضاه- "أن النبي -- أمره أن يقرأ عليه القرآن فقرأ عليه سورة النساء حتى بلغ قوله- -:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}1 فقال :(( حسبك )) فنظرت فإذا عيناه تذرفان " فلم يغسل النبي - - الدمع ، وأجمع العلماء على أن المصلي إذا بكى من خشية الله أنه لا يلزمه غسل دمعه ، وفي الحديث الصحيح عن النبي - - أنه صلى بالناس صلاة الظهر ثم قرأ سورة الأنبياء حتى بلغ قوله-- :{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} 2 فخشع - صلوات الله وسلامه عليه - وبكى ، فدل هذا كله على طهارة الدموع وهو إجماع .

النوع الثاني: فضلة الأنف : وفضلة الأنف تنقسم إلى قسمين :

فضلته من المخاط وما في حكمه والإجماع على طهارته ، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -- أنه نهى المصلي أن يتنخم قبل وجهه ، وأخبر أن الرحمة تستقبله ؛ ولذلك نهي أن يتنخم قبل وجهه وأن يتنخم عن يمينه قال ولكن عن شماله تحت قدمه ، فإذا لم يتمكن من ذلك أمره النبي-- أن يتنخم في ثوبه عن يساره ثم يدلكها ، فدل هذا على طهارة النخامة وهي تكون من الأنف ، ولذلك قالوا إن نخامة الآدمي تعتبر طاهرة وهو إجماع .

وأما النوع الثاني من فضلات الأنف : وهوالرُّعاف دم يلقيه الأنف ، فالرعاف نجس في قول جماهير العلماء ؛ لأن الدم نجس ، والدليل على نجاسته ظاهر الكتاب في قوله--:{أَوْ دَماً مَسْفُوحاً.. فَإِنَّهُ رِجْسٌ} 1 وقوله :{ أَوْ دَمًا مَسْفُوحاً} الدم المسفوح هو الذي يخرج في غير الذكاة ، فإذا خرج قبل الذكاة الشرعية أو أثناء الذكاة الشرعية فإنه مسفوح ، وقد نص دليل الكتاب على أن المسفوح نجس في قوله :{ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} والرجس نجس ، ولذلك أجمع العلماء-رحمهم الله- على أن موضع الذكاة يعتبر نجساً ، قال جمهور العلماء من السلف والخلف : إن الدم نجس ؛ لأن القرآن أشار بهذه الآية على أن الدم إذا خرج قبل الذكاة الشرعية وسُفِح أنه يعتبر نجساً ، ولذلك فرقوا بين الدم القليل والدم الكثير ، وهذا الدم-أعني دم الرعاف- يعتبر نجساً ، ولذلك كان أئمة السلف-رحمهم الله- يحكمون بنجاسته كما هو قول جمهور العلماء .

وأما ما ورد من الأحاديث كحديث الشِّعب أنه ضرب بالسهم العائر فأصابه ثم نزف ، قالوا ولو كان الدم نجساً لكان موجباً لقطع الصلاة وبطلانها ، وهذا الحديث يتعلق بالدم الذي هو دم النـزيف وجمهور العلماء يستثنون دم النزيف لأنه غالب ، والغالب لا يرقأ ، وشرط نجاسة الدم أن يكون مما يرقأ ولذلك صلى عمر بن الخطاب- - وجرحه يثعب ؛ وذلك لأن التكليف شرطه الإمكان ، والإنسان إذا أصابه الجرح ونزف فإنه لا يستطيع أن يرقأ الدم إلا بصعوبة بالغة فرخص في هذا النوع من الدماء ، ولذلك أجاب جمهور العلماء عن هذا الحديث بأنه حديث نزيف والنـزيف بالإحماع مستثنى ، ومن هنا خرج عن موضع النـزاع .

وأما ما ورد من نحره-عليه الصلاة والسلام- للجزور وتلطخ يده بدماء الجزور من السلخ ، فإن دم الجزور بعد الذكاة إذا سلخ يعتبر طاهراً ؛ ولذلك تأكل اللحم وفيه دم ، فالدم الذي يكون في الجزور بعد نحره يعتبر طاهراً بإجماع العلماء ، فالاستدلال بهذا الحديث فيه قصور في النظر ؛ لأنه خارج عن موضع النـزاع ، وموضع النـزاع في الدم المسفوح الذي هو قبل الذكاة لا بعد الذكاة .

وأما بالنسبة لفضلة الفم : فإن فضلة الفم لاتخلو : إما أن تكون بصاقاً ، أو تكون لعاباً ، أوتكون قيئاً ، أو تكون قلساً ، فهي أربعة أنواع من الفضلات .

فأما لعاب الفم فجماهير العلماء - رحمهم الله - على أنه طاهر ؛ ولذلك قالوا إنه يخرج من الفم وفم الآدمي يعتبر طاهراً ، وقد أكد الأطباء ذلك بوجود غدة للعاب ، ومن هنا حكم بكونه طاهراً لأنه من الفم ، ولو كان اللعاب نجساً لأُمر بغسل الفم بعد القبلة ، وذلك لأن اللعاب يسير عند تحرك الشهوة ، ولم ينص أحد من العلماء -رحمهم الله - على ذلك .

وأما فضلة الفم من البصاق فالإجماع على أنه طاهر ، ولذلك أُمر المصلي أن يبصق في ثوبه ، فلو كان البصاق نجساً لم يجز له أن يحمل النجاسة على هذا الوجه .

وأما فضلة الفم من القيء والقلس ، فالقلس يكون قبل المعدة والقيء يكون من المعدة ، والقلْس أو القلَس بالتحريك يكون بسبب الشبع ، وذلك أن الإنسان إذا أكل وامتلأ جوفه من الطعام فإنه يلقي فضلات ذلك الطعام من فمه بسبب الري والشبع ، فيخرج شيئاً من الماء أكدراً ، أو يخرج ومعه صفرة ، أو يخرج ومعه قطع من الطعام ، فإذا كان على هذه الصفة فإنه طاهر ، وهكذا الصبي الرضيع فإن أمه تحمله خاصة بعد الرضاع والشبع ، فتفاجأ بخروج اللبن من فمه فإذا خرج اللبن على صفاته أبيض غير متغير برائحة فإنه يعتبر طاهراً في قول جماهير السلف والخلف-رحمهم الله- ، ويجوز لها أن تصلي وعلى ثيابها ذلك القلس ؛ لأنه طاهر ، وأما القيء فالفرق بينه وبين القلس أن القيء يكون من المعدة والقلس يكون قبل وصول الماء والطعام إلى المعدة ، فإن كانت الفضلة من القيء ، فالقيء له حالتان :

الحالة الأولى : أن يخرج الطعام وقد تغيرت أوصافه لوناً وطعماً ورائحة ، خاصة إذا وجدت فيه رائحة نتنة كرائحة الخارج من الدبر فحينئذٍ يكون القيء نجساً ؛ لأنه استحالت مادته إلى النجاسة فاستوى أن يخرج من أسفل أو يخرج من الأعلى ، ولذلك أمر من قاء بالوضوء فدل على نجاسة القيء .

وأما إذا كان الذي قاء قاء طعاماً على صفاته لم يتغير فإنه يعتبر الطعام طاهراً ، وهكذا إذا قاء الماء والماء لم يتغير فإنه يعتبر طاهراً على الأصل ، ولذلك لا يجب عليه أن يغسل فمه وإنما يكون ذلك من باب الندب والاستحباب لا من باب الحتم والإيجاب .

وأما بالنسبة للفضلات من سائر البدن فإنها تنقسم إلى أنواع :

النوع الأول : أن يكون عرقاً . والنوع الثاني : الدم . والنوع الثالث : القيح . والنوع الرابع : الصديد .

فيخرج الإنسان من سائر البدن العرق وهو رشح الجسم ، وعرق الآدمي طاهر ، وفي الحديث الصحيح عن النبي- - أنه كان يأتي أم حرام بنت ملحان-رضي الله عنها وأرضاها- وكان ينام عندها وربما أخذت شيئاً من عرقه -صلوات الله وسلامه عليه- فدل هذا على طهارة العرق ، والإجماع على أن عرق المسلم يعتبر طاهراً ، واختلف في عرق الكافر :

فقال بعض العلماء : عرق الكافر نجس ؛ لأن الله-تعالى- قال:{ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }1 فقالوا كل ما تولد من الكافر فإنه أفضله الكافر يعتبر نجساً .

والصحيح ما ذهب إليه الجماهير من طهارة عرق الآدمي سواء كان كافراً أو كان مسلماً ، وذلك لعدم ثبوت النص الصريح بنجاسة الكافر ، وقوله-سبحانه- :{ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} المراد بذلك الكفر والشرك ؛ لقوله -تعالى-:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ}1 فالمراد بذلك خبثه - عليه لعنة الله- بكفره وشركه بالله - - .

وأما فضلة الدم : فقد تقدم أنها نجسة لظاهر الكتاب ، وكذلك ظاهر السنة في قوله - عليه الصلاة والسلام- :(( اغسلي عنك الدم)) ومما يدل على أن الدم نجس أن النبي-- أمر المرأة المستحاضة أن تغسل دم الاستحاضة ، وبين أن دم الاستحاضة عرق فدل على أن الدم الخارج من العرق نجس ، فاستوى في ذلك أن يكون خارجاً من السبيلين أوخارجاً من غير السبيلين ؛ لأن الدماء واحدة وأصلها واحد واستحلابها في البدن من مكان واحد ، وبناءً على ذلك فإن الدم نجس .

وأما القيح : فإنه يأخذ حكم الدم ؛ لأنه يتولد من الدم فهو الماء الأصفر الذي يكون مستحيلاً من الدماء ؛ بسبب مقاومة الجسم للأمراض وتعفن الجروح ، فتستحيل الدماء قيحاً كما هو معلوم ، والفرع آخذ حكم الأصل.

وأما الصديد : فهو ماء أكدر ، والفرق بين القيح والصديد أن القيح يكون متولداً من الدم ، وأما الصديد فإنه عفونة الجروح والقروح ، ولذلك قال-- :{ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ }2 فقوله :{مَاءٍ صَدِيدٍ} فالصديد هو عصارة القروح والجروح وهو نجس في قول جماهير العلماء-رحمهم الله- ، هذه هي محصل فضلات الآدمي وقد قرر العلماء - رحمهم الله - هذه المسـألة في كتاب الطهارة ، ومن فقه الإمام الترمذي-رحمه الله برحمته الواسعة- أنه ذكر حديث ابن عباس لكي ينبه على فضلة من فضلات الآدمي ، ثم أتبعه بحديث أبوال الإبل فانظر إلى دقة فهمه ، وبعده في النظر ، حيث ذكر حديث الآدمي أولاً ثم حديث فضلة الحيوان ثانياً ، وهذا يدل على جمعه بين فقه النظر والأثر ، وهو يدل على ما كان عليه سلفنا الصالح -رحمة الله عليهم- من تأمل نصوص السنة الواردة عن النبي - - .

يقول -رحمه الله -" باب ما جاء في التشديد في البول": أي في هذا الموضع سأذكر لك ما ورد عن النبي -- من الأحاديث التي تشدد في أمر البول ، ووصف ذلك بكونه تشديداً لورود الوعيد عن النبي--بالعذاب في من تساهل في بوله ولم يستنـزه ولم يستبرئ منه .

وقوله -رحمه الله-" في التشديد" : فالشرع فيه تشديد وفيه تخفيف ، فالتخفيف يوصف بكونه رخصة والتشديد عزيمة ، وغسل الأبوال يعتبر عزيمة .

والبول يطهر بطريقتين :

الطريقة الأولى : أن يكون تطهيره بالماء وهذه هي الأصل ، فالأصل أن البول يجب غسله لأن النبي-- أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي ، قالوا فهذا يدل على أن نجاسة البول تطهر بالماء .

وأما الطريقة الثانية لتطهير البول : فذلك بالاستجمار بالحجارة ونحوها من الطاهرات ، كالمناديل والأخشاب والأحجار ونحوها ، فهذه الطريقة تعتبر طريقة خاصة وتختص بموضع معين وهو القبل أو الدبر .

واختلف العلماء : لو أن إنساناً فتحت له فتحة ، وهذه الفتحة عوض عن القبل ، أو فتحت له فتحة عوضاًعن الدبر هل يجوز له أن يستجمر بالحجارة كما أنه يجوز له أن يستجمر في القبل والدبر الأصلي..؟؟

وتوضيح ذلك : أن الله -- قد يخلق الإنسان مسدود الدبر ، ثم يعالج الأطباء ذلك السد بفتحة بديل إذا تعذر فتحها في المكان المعتاد ، وقد يكون الإنسان مصاباً بأمراض في السبيلين تحوج الأطباء إلى فتحة بديل ، فهذه الفتحة لها حالتان عند العلماء -رحمهم الله - :

الحالة الأولى : أن تكون أسفل من السرة ، وفي هذه الحالة تنـزل منـزلة القبل والدبر سواء بسواء ، فالخارح منها آخذ حكم الخارح من السبيلين .

والحالة الثانية : أن تكون فوق السرة ، فلا يخلو الخارج من حالتين :

الحالة الأولى : إما أن يكون متغيراً كالغائط فإنه يأخذ حكم الخارج من الدبر ، أو يكون على صفات البول فيأخذ حكم الخارج من القبل .

والحالة الثانية : أن يخرج من هذه الفتحة الطعام لم يتغير ، وحكمها أنها لا تأخذ حكم القبل والدبر ؛ والسبب في ذلك أن الفتحة فوق المعدة تأخذ حكم المعدة تارة ، وتأخذ حكم الدبر تارة ، فإن تغير الخارج أخذت حكم الدبر ، وأما إذا لم يتغير الخارج كانت في حكم القيء الذي لم يتغير ؛ ولذلك فرق جمهور العلماء - رحمهم الله - بهذا التفريق .

وقوله - رحمه الله- " باب ما جاء في التشديد في البول" : أي في حكم البول سواء من جهة قطع البول ، أو من جهة التحفظ من تطاير فضلات ماء البول .

 

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَقُتَيْبَةُ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ قَال سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ-- مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ :(( إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ )) .

قَالَ أَبو عِيسَى-رحمه الله-: وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي بَكْرَةَ .

قَالَ أَبو عِيسَى-رحمه الله-: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى مَنْصُورٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ طَاوُسٍ وَرِوَايَةُ الأَعْمَشِ أَصَحُّ قَالَ وسَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ الْبَلْخِيَّ مُسْتَمْلِي وَكِيعٍ يَقُولُ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ الأَعْمَشُ أَحْفَظُ لإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ .

الشرح:

هذا الحديث حديث عظيم اعتنى العلماء-رحمهم الله- بذكره في أبواب الطهارة ، كما هو صنيع الشيخين الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، والإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - رحمة الله عليهما - ، وقد اعتنى أئمة السنن بذكر هذا الحديث ، والتنبيه على الوعيد الذي ذكره النبي-- فيه ؛ والسبب في ذلك النصيحة للمسلمين ، بتحذيرهم من التساهل في أمر البول ؛ لأن الله-- أوجب على المسلم أن يتحفظ من بوله ، وأن يستبرئ عند قضائه لحاجته ، ومن هنا حرم عليه أن يتساهل في هذا الأمر الذي حذر الله -- من التساهل فيه ، كما هو ظاهر من هذا الحديث الصحيح .

وقد اعتنى العلماء - رحمهم الله - ببيان مسائل هذا الحديث ، يرويه حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله ابن عباس أبو العباس عبدالله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ، هذا الحديث رواه أبو العباس عبد الله بن العباس ابن عم النبي -- الذي دعا له بالفقه في الدين ، وعلم التأويل ، وفي الحديث الصحيح عن النبي-- أنه قضى حاجته فخرج ابن عباس وأعد له الوضوء ، فلما خرج-عليه الصلاة والسلام- من الحمام نظر فإذا هو بالوضوء قد أعد له ، فقال - - : من صنع هذا ؟ قالوا : عبدالله بن عباس ، فقال--:(( اللهم فقهه في الدين)) فأصابته دعوة النبي -- ، فكان إماماً من أئمة المسلمين ، وديواناً من دوواين العلم والدين ، فكان إماماً من أئمة الفتوى ، وحافظاً من كبار حفاظ الأحاديث عن رسول الله -- روى عن رسول الله-- أكثر من ألف وخمسمائة حديث - وأرضاه- ، وجعل أعالي الفردوس مسكنه ومثواه - .

يقول "سمعت أن رسول الله -- مر بقبرين" : القبران مثنى قبر ، والقبر هو منـزل من منازل الآخرة وهو أول منازل الآخرة ، ولذلك قد جعله الله رحمة بالآدميين ، والسبب في ذلك أن الإنسان إذا مات فإنه يوارى جثمانه في القبر ، فمن رحمة الله -- أن ألهم الآدمي ذلك ، ولو أن الناس لا تدفن أجسادهم لتضرروا ولحصل في ذلك من البلاء والأدواء ما الله به عليم ، ولذلك لما قتل ابن آدم أخاه بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ، فألهم الله الآدمي أن يواري جسد أخيه ؛ ولذلك كانت سنة في بني آدم ، وقد جعل الله هذه الحفرة إما روضة من رياض الجنة ، وإما حفرة من حفر النار ، ولذلك قال -- :(( تعوذوا بالله من عذاب القبر)) ، وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب-رضي الله عنهما- أن النبي-- قال :(( أعوذ بالله من عذاب القبر أعوذ بالله من عذاب القبر)) فهو أول منازل الآخرة فإما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار .

وقوله "مر بقبرين ": هذان القبران للعلماء فيهما وجهان :

فقال بعض العلماء : إنهما كانا بمكة ، وأن صاحبي القبرين كانا من المشركين .

وقال جمع من العلماء : إنهما كانا بالمدينة ، وقد أيدت ذلك بعض الروايات أنهما كانا بالمدينة حيث مرَّ-صلوات الله وسلامه عليه- ببعض حيطان المدينة ، وجاء في بعض الروايات أنهما من الأنصار من بني النجار ، فمر-صلوات الله وسلامه عليه- بالقبرين أي بجوار القبرين ، فأنزل الله عليه الوحي ، وأطلعه على أمر لم يكن يعلمه-صلوات الله وسلامه عليه- ، وذلك أن الله - - أطلعه على عذابهما ، فسمع-صلوات الله وسلامه عليه- عذابهما ، أو أن الله كشف له ذلك بالخبر لا بالسماع ، وأحوال الموتى في القبور من جهة العذاب لا يكشفها الله للآدمي ولا للجن ، وإنما يسمع صراخ المعذبين وعذابهم تسمعه جميع الدواب و جميع من خلق الله إلا الجن والإنس ، ولوسمع الناس عذاب أهل القبور لتنغص عيشهم ، وتنكدت حياتهم ؛ ولذلك لطف الله بهم فلم يسمعهم عذاب القبور ، ولذلك قال -- :(( لولا أني أخاف ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم عذاب القبر)) لأن الناس لوسمعوا عذاب القبر لفزعوا للآخرة ولتركوا الدنيا وزهدوا فيها كما قال -- في الحديث الصحيح :(( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله بالبكاء)) أي لو تعلمون أحوال الناس في القبور وأحوالهم إذا صاروا إلى البعث والنشور لبكيتم كثيراً من خشية الله- - ، وقد أخبر النبي -- وهو الصادق المصدوق بأبي وأمي أنهما يعذبان ، ولم يكشف الله له حقيقة ذلك العذاب ولاصورته ، فكيف يعذبان ؟ وماهي طريقة العذاب وأسلوبه ؟ أمرٌ لا يعلمه إلا الله علام الغيوب-- ، ولذلك يقف المسلم عند هذا الحد ، فما على الله إلا الأمر ، وما على الرسول إلا البلاغ ، وما علينا إلا الرضا والتسليم .

وكيف يعذب وقد قطعت أعضاؤه ،وانتشرت أشلاؤه ، وصار رماداً ؟ فإن الآدمي ربما انفجر وربما سحق فمات حتى يصير رماداً ، والله قادر على أن يجمعه ويبعثه ويعذبه وينعمه :{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}1 وفي الصحيحين عن النبي -- :(( أن رجلا قال لأولاده لما حضرته الوفاة : إذا أنا مت فأحرقوني ، ثم اسحقوني حتى أصير رماداً ، ثم ذروا نصفي في البر ونصفي في البحر ؛ فوالله لو قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين ، قال-- : فلما مات صنعوا به ما أمر ، قال : فأوحى الله إلى البحر أن اجمع ما فيك ، وإلى البر أن اجمع ما فيك فإذا هو قائم بين يدي الله)) فالله على كل شئ قدير لا يعجزه شئ - - ، فأمور القبر ينبغي تسليمها لله-- ، وقد أخبرنا -صلوات الله وسلامه عليه- أن الناس يعذبون فيها وينعمون .

ومذهب أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر ثابت ، وأنكره طوائف من أهل الضلال ممن لا يعد خلافه ، فقالوا : لا يعذب الإنسان في القبر ولا ينعم ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً ، والله- - أخبر عن آل فرعون أنهم يعرضون على النار غدواً وعشياً ، ولذلك كان ابن عمر-رضي الله عنهما- إذا أمسى المساء صاح ، وإذا أصبح الصباح صاح وقال : جاء الليل وأدبر النهار ، وعرض آل فرعون على النار ، وإذا أمسى قال جاء الليل وأدبر النهار وعرض آل فرعون على النار ، فهذا النص من كتاب الله يثبت عذاب القبر ، وقال-سبحانه-:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } 2 فالعذاب الأدنى عذاب القبر ، والعذاب الأكبر عذاب الآخرة ؛ ولذلك إذا أدخل الإنسان قبره وكان من السعداء أراه الله مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فإن كان صالحاً قال : رب أقم الساعة رب أقم الساعة يشتاق إلى أهله وٍإلى رحمة ربه ، وأما إذا كان كافراً وأراه الله مقعده من النار ، قال : رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة ، ولذلك أخبرت هذه النصوص بثبوت عذا ب القبر ونعيمه ، وحديثنا يدل دلالةً واضحةً على ثبوت عذاب القبر ، والقبر منـزل غير ثابت ، بمعنى: أن الإنسان لا يثبت فيه ، خلافاً لأهل الجاهلية الذين يقولون: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} 3 فكانوا يستبعدون أنهم يبعثون ، فَأُفٍ لهم ولما يفترون ، فكانوا يقولون إنه لا يعاد الإنسان ، وأن من مات ودفن في القبر فإنه مثواه الأخير .

ولذلك من الأخطاء الشائعة عند بعض المسلمين-أصلحهم الله- قول بعضهم : صار إلى مثواه الأخير ، فهذا خطأ واضح وقد انتشر بين الناس ، وينبغي التنبيه عليه ؛ لأن القبر ليس بالمثوى الأخير ، وأما المثوى الأخير فهو القرار الذي أخبر الله عنه الجنة أو النار كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي --:(( أنه يؤتى بالموت على صورة كبش فيقال :يا أهل النار فيطلعون ، ويا أهل الجنة فيطلعون ، ويذبح الموت بينهما ، ويقال : يا أهل النار خلود فلا موت ، ويا أهل الجنة خلود فلا موت)) ، فهذا هو المثوى الأخير:{ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}1 ، فهذا هو الذي يوصف بكونه مثوى أخيراً للإنسان ، وأما القبر فإنه ليس بالمثوى الأخير ؛ ولذلك عبر القرآن عن هذا المعنى في قوله - - :{ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ }2 فقال حتى زرتم المقابر ، ولم يقل حتى صرتم إلى المقابر ، فجعلها محطة زيارة ، ولذلك سمع أعرابي هذه الآية فبكى وقال : زاروها والله سيرتحلون عنها ، لأن الزائر لا يبقى في المكان فعبر القرآن بقوله:{ زُرْتُمْ} فدل على أنه ليس بالمثوى الأخير .

وقوله : (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)) : أي ما يعذبان في أمركبير يمكن للإنسان أن يتحفظ عنه ، وذلك أن النميمة والتحفظ من البول يمكن للإنسان أن يقوم به دون عناء ولا مشقة فيحفظ المسلم لسانه عن أعراض المسلمين ، ويصونه عن أذية المؤمنين ، وذلك لا يكلفه شيئاً ، وكذلك تحفظه من البول واستنـزاهه منه ، وفي الرواية الثانية ((بلى إنه لكبير)) أي كبير الشأن وكبير الأمر عند الله-- ، ولذلك لأن البول يوجب بطلان الصلاة ، والنميمة فيها شر عظيم وبلاء جسيم .

قال--:(( بلى إنه لكبير)) : أي لأن الإنسان إذا لم يتحفظ من البول بطلت طهارته وإذا بطلت طهارته بطلت صلاته، وأول ما ينظر فيه من عمله إنما هو الصلاة ، فأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة فإن صلحت نُظر في سائر عمله ، وإن فسدت وضاعت فهو لما سواها أضيع .

وأما النميمة فإنها كبيرة ، ووصفها النبي -- بكونها كبيرة ؛ لأن النميمة تقطع الأرحام ، وتذهب أواصر الأخوة بين أهل الإسلام ، ولذلك قال بعض السلف-رحمه الله - : "النمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة " فالنمام بكلمة واحدة يدمر بيوت المسلمين ، ويقطع أواصر المتحابين ولو كانوا من العشيرة والأقربين ؛ فلذلك وصف النبي-- فعله بكونه كبيراً ، ولذلك قال جماهير العلماء : النميمة كبيرة من كبائر الذنوب ، والنميمة شعلة نار تحرق بيوت المسلمين والمسلمات ولربما فرقت وبددت شمل الأزواج والزوجات ، وفرقت بين الأبناء والبنات ، ولذلك عظم الله شأنها وحقّر أهلها في الدنيا والآخرة فقال--:{وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}1 فالنمام مناع للخير لأنه لا يحب الناس أن يجتمعوا ، وإنما يريدهم أن يتفرقوا فهو من شياطين الإنس الذي جعله الله شؤماً على من كان من أصحابه وخلانه ، قال العلماء : النمام مهان عندالله - - لقوله: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} فوصفه بكونه مهيناً حقيراً ، لأنه يطعن أخاه المسلم من وراء ظهره وهو مهين في القبر ؛ ولذلك عذبه الله - - بهذا العذاب كما أخبر النبي -- ، وهو مهان عندالله الله في الآخرة ولذلك ثبت في الصحيح عن النبي -- أنه قال :(( لا يدخل الجنة نمام)) ، قال العلماء : ويمشي بالنميمة أحد و لا يحافظ على النميمة أحد إلا ساءت خاتمته-والعياذ بالله - ، فختم له بخاتمة السوء حتى لا يدخل الجنة لأن الحديث صحيح صريح في أن النمام لا يدخل الجنة وذلك يكون بسوء الخاتمة-نسأل الله السلامة والعافية- ، والغالب في النمام أن يكون في قلبه حقد وحسد فيرى الزوجين قد صلح حالهما ونعم بالهما فلا يصلح حاله ولا ينعم باله حتى يفرق بينهما ، فقد يكون النمام أقرب إنسان إليك ، فالزوجة قد تكون نمامة حينما تفسد زوجها على والديه ، فتنقل له كلمة عن والده أو والدته بقصد أن تفرق بينهما أو بدون قصد ، وكذلك يكون النمام من الأبناء والبنات بقصد أن يفسد قلب الأب على إخوانه ؛ لمكان الحسد بين الإخوة، كما وقع ذلك في أخوة يوسف حيث نزغ الشيطان بينهم ولذلك يكون النمام أقرب شئ إلى الإنسان وهو لايشعر، قال بعض العلماء : إذا أبلغك الرجل حديثاً عن أخيك فاعلم أنك أمام عدولله ورسوله ، ولذلك كان بعض السلف-رحمهم الله- إذا جاءه النمام وقال : فلان يقول فيك، قال له : تباً لك أما وجد الشيطان رسولاً غيرك ؟، وكان بعض الحكماء إذا أبلغه النمام الخبر، قال له : فلان لايقول وكذبه وأهانه ، وجاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فنم إليه بالنميمة ، فقال له : -رحمه الله برحمته الواسعة- ماأنت إلا واحد من رجلين ، إما أن تكون صادقاً والله –تعالى- يقول: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} أي إذا كنت صادقاً في الكلام الذي نقلته فأنت نمام ، وإما أن تكون كاذباً فأنت من أصحاب هذه الآية:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}2 فما أنت إلاواحد من هذين الرجلين وإن شئت عفونا عنك ، فقال : العفو يا أمير المؤمنين ، فكان السلف - رحمهم الله- لايقبلون النميمة ، ومامن أحد يبلغك كلام الناس فيك إلا كان محتقراً لك ؛ لأنه لو كان يهابك ويحبك لما نقل إليك ما يسوؤك ؛ لأن الذي ينقل إليك مايسوؤك ، لايحفظ مشاعرك ، ولايحفظ كرامتك ، ولذلك كان بعض العلماء ربما يطرد من طلابه من يشي إليه ويبلغه القالة من طلابه الأخر ، كل ذلك حفظاً للمسلمين من هذا البلاء العظيم الذي إذا سرى في المجتمع أفسده كسري النار في الهشيم ، ولذلك ينبغي ردع هؤلاء وزجرهم وعدم قبول أخبارهم سواء كانوا من الرجال أو كانوا من النساء ، والمسلم إذا بلغه من أخيه المسلم مايسوء فينبغي أن يتسع صدره ، وأن يبدي حلمه ، وأن يصفح ، ويغفر ، ويعفو ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله وأما الإصغاء بالآذان إلى أمثال هؤلاء الحقراء فإنه شر عظيم وبلاء عميم ، وقال بعض العلماء : أشد ماتكون النميمة إذا وقعت بين العلماء ، فقد ينقل بعض طلاب العلم الأخبار ، وينقلون الفتاوى بين العلماء بقصد التشويش ، وبقصد إفساد قلوبهم على بعض فأمثال هؤلاء نمامون موعودون بهذا العذاب والنكال في الدنيا والآخرة ، ولاشك أنه من أعظم المصائب أن يفرق بين العلماء أوبين الصالحين الأتقياء ،- نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمع شملنا ، وأن يكبت عدونا -.

قال --:(( أما هذا فكان يمشي بالنميمة وأما هذا فكان لايستتر من بوله)) : هناك ألفاظ ثلاثة(( لايستتر، ولايستنـزه ، ولايستبرئ)) ، والمراد بالاستنـزاه والاستتار والاستبراء نقاء الموضع .

وفي رواية :(( لايستتر)) : أخذ بعض العلماء : منها دليلاً على أن كشف العورات والتساهل في السوءات يوجب عذاب القبر-نسأل الله السلامة والعافية- ، فالواجب على الإنسان إذا قضى حاجته أن يستتر لأن النبي -- كان يستتر بالحش ونحو ذلك من الشواخص حفظاً لعورته -صلوات الله وسلامه عليه- ، وتشريعاً لأمته أن يحفظوا العورة من النظر ، ولذلك قالوا إن التساهل في العورة يعتبر من كبائر الذنوب لهذا الحديث ، هذا الحديث يدل على عظم شأن البول وفيه الخبر عن النبي - - أن أكثر عذاب القبر من البول .

- نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيذنا من عذاب القبر ، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر ، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، اللهم آنس في القبر وحشتنا ، ونور ما فيه من ظلمتنا واغفر لنا ماكان من سيئاتنا واستر لنا عوراتنا وأمن لنا روعاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين- .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الأسئلة 

السؤال الأول :

في بعض روايات هذا الحديث أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - أخذ جريدة رطبة ووضعها على القبر وقال لعلها تخفف عنهما ما لم تيبسا ، فهل هذا خاص بالنبي -- ..؟؟

الجواب :

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

ففي روايات الصحيح ما يدل على هذا ، ولم تأت في رواية الترمذي ، وهذه الرواية التي فيها شق الجريدة نصفين ، قال بعض العلماء : فيها فائدة عظيمة تدل على خطر هذين الذنبين ؛ والسبب في ذلك أن النبي - - كان من أرحم الناس بـأمته-صلوات الله وسلامه عليه- كان رحيماً بأمته في الدنيا وفي الآخرة ، ففي الحديث الصحيح عنه -عليه الصلاة والسلام-:(( أنه ماخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما)) فكان أبعد الناس من ذلك ، ورحيماً بأمته في الآخرة ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن الأنبياء والناس يوم القيامة دعواهم اللهم سلم سلم نفسي نفسي لاأملك اليوم إلا نفسي ، وهو-عليه الصلاة والسلام-يقول:(( أمتي أمتي)) -صلوات الله وسلامه عليه -كان رحيماً بأمته -صلوات الله وسلامه عليه- كما شهد الله له من فوق سبع سموات ، وكان قلبه يتفطر على هذه الأمة مع هذه الشفقة ومع هذه الرحمة لما مر بهما وهما يعذبان شفع -صلوات الله وسلامه عليه- فقبل الله شفاعته أن يخفف العذاب ، أما أن يزال العذاب عنهما فلا ؛ ولذلك عظم العلماء - رحمة الله عليهم - هذين الذنبين مع أنه كان - عليه الصلاة والسلام - عظيم الشفقة ، وكان إذا شفع يشفع على الكمال أن يزال العذاب عنهما وأن الله يشفعه فيهما ومع ذلك قال :(( لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا)) ، وهذا يدل على عظم هذا الأمر ، ولذلك خفف العذاب فإذا يبست الجريدتان عاد العذاب عليهما .

الفائدة الثانية : أن العذاب يستمر ، ولذلك تبقى الجريدة رطبة فترة من الزمن وردحاً من الزمن ما شاء الله ثم تيبس فدل على أنه لا ينقطع ، ولذلك قال:(( لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا)) ، فمع مضي مدة رطوبة الجريدتين يعود العذاب كما كان عليهما ؛ ذلك لأن النميمة أمرها عظيم كون الإنسان يأتي إلى أخيه المسلم ويذكر له عن أخيه الآخر أنه قال فيه أو فعل ، النميمة تدمر بها البيوت ، تشتت بها الشمل ، تفرق بها الجماعات ، توغر بها الصدور ، فبدل أن القلوب تجتمع ، والله من فوق سبع سماوات يأمرنا أن نكون إخواناً ، وأن نكون في دينه أحباباً وخلاناً ، وأن تجتمع القلوب على كتابه وسنة رسوله-- ويأتي هذا النمام يفرق بين المسلمين ، فهو يحارب الله ورسوله ، قالوا : لأن الحق للمخلوق ولذلك حقوق المخلوق خفف العذاب لكن أن يزول العذاب فلا ، وأن يبقى هذا العذاب على الإنسان إلى أن يبعثه الله- - بقدرته ، فهذا يدل على خطر النميمة .

وأما مسألة الاستتار من بوله فلتعلقه بالصلاة .

شق - عليه الصلاة والسلام - الجريدة نصفين فغرز على هذا نصفاً وغرز على هذا نصفاً ، ولذلك وقت تخفيف العذاب بمدة كونهما رطبتين ، وهذا من خصوصياته-عليه الصلاة والسلام- ، وأما قول بعض العلماء : إن الجريد يسبح ؛ ولكونه يسبح يخفف العذاب عنهما فهذا من قبيل الرأي ، والله-تعالى- يقول :{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}1 فالجريدة مسبحة سواء كانت رطبة أو كانت يابسة ، بل حتى لو يبس الجريد فإنه سيسبح ، ولذلك سبح الحصى ، وسبحت الجبال ، وسبحت الأشجار ، والأنهار لله - - ، فالتسبيح ليس هو العلة ولكن العلة أن الله أذن ، ولذلك لا يجوز لأحد أن يفعل هذا الفعل لأمرين :

أحدهما أنه يتهم المقبور أنه صاحب عذاب ، وثانياً أن هذا من خصوصياته-عليه الصلاة والسلام- ، وليس لأحد الحق أن يخفف العذاب عن أحد إلا بإذن الله-- ، بل إن رسول الله-- لم يستطع أن يخفف هذا العذاب إلا بأمر الله-سبحانه- ، فلا يستطيع أن يخفف العذاب عن أحد ، ولا يستطيع أن يزيل العذاب عن أحد إلا بأمر الله -- ، وهو حبيب الله ، والشفيع الذي لا ترد شفاعته-صلوات الله وسلامه عليه- كريم على ربه ، ولذلك في الحديث القدسي يقول الله :((يا محمد ارفع رأسك ، وسل تعط ، واشفع تشفع)) -صلوات الله وسلامه عليه- ، ومع ذلك يقول لا يأتي أحدكم يوم القيامة وهو يحمل على ظهره شاة تيعر أو بعيراً له رغاء فيقول يا محمد -يعني أنقذني واشفع لي- فأقول لا أملك لك من الله شيئاً ، ما أحد يستطيع أن يفلت عبداً من عذاب الله إذا أراده الله بعذاب ، ما على الإنسان إلا أن يلتزم بأوامر الله -- ، وأن يتقي نواهيه حتى يلقى الله-- مستقيماً على دينه ، وحينئذ يحفظ والله لا يظلم عبده شيئاً ، فيجد ما فعل من الخير خيراً ، وما فعل من السوء إن رحمه الله فغفر فلا يسأل عما يفعل ، فمحض كرمه وفضله-سبحانه- ، وإن أخذه الله-- فمحض عدله الذي لا يستطيع أهل السموات والأرض ومن فيهن أن يكفوا عنه مثقال خردلة من عذاب الله-- ، ولذلك ينبغي للإنسان أن يتقي هذا الفعل وأن ينـزع مثل هذه الأمور ، حتى بلغ ببعضهم أنه يزرع على القبر الأشجار ، ويقولون إنها كالجريدة الرطبة ، وكل ذلك من الاجتهاد الذي هو مصادم للنصوص ، ولا يجوز لأحد أن يفعل هذا الفعل لأن النبي-- لم يفعله على أصحابه ، ولم يفعله أصحاب النبي-- ببعضهم ، -نسأل الله العظيم أن يرزقنا التمسك بالسنة وأن يعيذنا بالدخل في هذه المله - ، والله تعالى أعلم .

السؤال الثاني :

ما حكم الماء النازل من المرأة والذي يسبق الولادة بوقت يسير ؟ وما الحكم لو استمر نزول الدم ما يقارب الشهر مع احتمال الولادة في أي لحظة ؟ وهل يمنع الحامل من الصلاة خلال هذه الفترة ..؟؟

الجواب :

هذا الماء في حكم الرطوبة ؛ ولذلك يعتبرآخذاً حكم النجس .

أما إذا وجد الدم وهو الشطر الثاني من السؤال قبل الولادة فلا يخلو من حالتين :

الدم قبل الولادة يعتبر استحاضة ، إلا إذا سبق الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة على قول عند طائفة من العلماء كما هو مذهب الحنابلة -رحمة الله عليهم- أنه إذا سبق الولادة بثلاثة أيام فأقل أنه يعتبر دم نفاس ، ويأخذ حكم دم النفاس سبق وقته ؛ لأن "ما قارب الشيء أخذ حكمه" ، فهذا قالوا : إنه ياخذ حكم دم النفاس سواء بسواء ، ولكن الأصل يقتضي أن الحامل لا تحيض ، وأن جميع ماتراه من الدماء يعتبر دم استحاضة لا يمنع صوماً ولا صلاةً ، وإنما تغسله فإذا غلبها غسلت وعصبت الفرج ، أو وضعت القطنة وصلت بدخول وقت كل صلاة ، كما سيأتي تفصيله في باب الاستحاضة ، والله تعالى أعلم .

السؤال الثالث :

هل الدم الذي يخرج من الأنف ينقض الوضوء ؟ وإذا استمر هل يأخذ حكم سلس البول ..؟؟

الجواب :

الدم إذا خرج من سائر البدن ما عدا السبيلين فللعلماء فيه قولان :

جمهور العلماء على أن الدم إذا خرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء .

وذهب الحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء قياساً على دم الاستحاضة ، وهذا قياس مع الفارق ؛ لأن دم الاستحاضة خرج من الفرج فكان في حكم البول لأنه خارج نجس ، وأما خروجه من سائر البدن فلا ينقض الوضوء على الصحيح ، وبناءً على ذلك فإن الدم من رعاف أو نزيف أو نحو ذلك لا ينقض الوضوء وإنما يغسله الإنسان ، فإذا غلب الإنسان فإنه يعتبر معذوراً كما ذكرنا في حالة النـزيف ، والله تعالى أعلم .

 

 

 

 

السؤال الرابع :

ورد في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبي-- :"أعلى المرأة غسل ؟ قال :(( نعم إذا هي رأت الماء)) هل هذا الماء هي الرطوبة التي ذكرتموها ..؟؟

الجواب :

هذا الماء هو المني وليس المراد به الرطوبة ، وبناءً على ذلك فإن الغسل لا يجب إلا من المني ؛ لقوله-عليه الصلاة والسلام- في حديث صحيح :(( إنما الماء من الماء)) إنما الماء وهو غسل الجنابة ، من أي بسبب؛ لأن العرب تقول من كذا أي بسبب كذا ، تضرب الصبي فيقول لماذا ضربتني ؟ فتقول من ذنبك أي بسبب ذنبك ، ومنه قوله-تعالى- :{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ}1 أي بسبب خطيئاتهم ، فقوله إنما الماء أي الغسل من الماء أي بسبب الماء وهو المني سواء من الرجل أو المرأة ، فلما سألت النبي-- أم سليم عن المرأة ترى ما يرى الرجل هل عليها غسل ؟ قال :(( نعم إذا رأت الماء)) أي إذا احتلمت وخرج منها المني ، والله تعالى أعلم .

السؤال الخامس :

إذا أحس الإنسان بوجود بعض القطرات من المذي أو الودي في داخل العضو فهل يؤثر ذلك في الوضوء ؟ أم العبرة بالخروج ..؟؟

الجواب :

من أحس بحركة العضو سواء بولاً ، أو ودياً ، أو مذياً ، أو منياً فلا يؤثر إلا إذا خرج من رأس الذكر ، أما لو أحس بالمني حتى لو ألقى المني فأمسك العضو وهو يتشهد في الصلاة -كما ذكر- العلماء ، ثم سلم ، ثم خرج المني بعد السلام فصلاته صحيحة ، فالعبرة بالخروج ؛ ولذلك قال-عليه الصلاة والسلام - :(( إذا فضخت الماء فاغتسل)) فالعبرة بمجاوزته لأعلى العضو .

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .