دروس الترمذي

"بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ ( لم يراجع من قبل الشيخ )


"بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب الطهارة

P

قال المصنف - رحمه الله - : بَاب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ

الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فيقول المصنف - رحمه الله-" بَاب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ ": هذه الجملة قصد المصنف -رحمه الله - أن يبين بها مشروعية الاستنجاء بالأحجار ، وذلك أن الإنسان إذا قضى حاجته فإنه يزيل النجاسة والأثر إما بالماء وإما بالأحجار وما في حكمها كما سيأتي .
وقوله -رحمه الله- "باب الاستنجاء بالأحجار": أي سأذكرلك في هذا الموضع ما ورد عن النبي-
r- من الأحاديث التي تدل على جواز ومشروعية الاستنجاء بالأحجار.
وقد قسم العلماء-رحمهم الله- طهارة الاستنجاء إلى قسمين :
القسم الأول :
طهارة مائعة وهي طهارة الماء .
والقسم الثاني : طهارة جامدة وهي طهارة الأحجار وما في حكمها كالأخشاب ، والمناديل ، والقماش ونحو ذلك كما سيأتي ، والمسلم مخير بين النوعين ، فمن قضى حاجته فبال أو تغوط فإنه يخير بين أن يزيل هذا الأثر بالماء أو يزيله بالأحجار وما في حكمها من الطاهرات.
وهنا سؤال : هل الأفضل أن يزيلها بالماء أو يزيلها بالأحجار..؟؟
قال بعض العلماء : إن إزالتها بالماء أفضل ، وذلك ؛ لأن الماء هو أصل المطهرات ، وهو أقواها ، ولذلك تعتبر طهارته طهارة أصلية ، وأما بالنسبة للأحجار وما في حكمها من الطاهرات فإنها وإن أنقت الموضع لكنها لاتنقي كما ينقي الماء ، ومن هنا قالوا إن طهارة الماء أقوى وأولى ، والأفضل للإنسان أن يتطهر بالماء لأنه إذا تطهر بالأحجار بقي الموضع لم يخل من وجود أثر النجاسة ، وأما إذا جمع بين الماء والأحجار فإن الجمع أفضل ما يكون من الطهارة ، ولذلك قال العلماء : إن طهارة الخبث للخارج النجس لاتخلو من ثلاثة أحوال :
أعلاها وأفضلها أن يجمع الإنسان بين الماء والحجر ، ثم يليه طهارة الماء ، ثم تليه طهارة الأحجار .
وفي هذه الحالة إذا قلنا إن الأفضل أن يجمع بين الماء والأحجار فهل يقدم الأحجار أو يقدم الماء..؟؟
والجواب :
أنه لايصح ذلك إلا بتقديم الأحجار على الماء ، وأما إذا قدم الماء وأخر الأحجار فإنه حينئذٍ مستنجٍ بالماء لابالأحجار ، فلا ينال الفضل الذي ذكرنا ؛ وإنما نص العلماء - رحمهم الله- على أن الجمع بين الأحجار والماء أفضل ؛ لأن الحجر يقلع عين النجاسة ثم إذا صب الماء فإن الماء يقوى على إزالة الأثر ، ومن هنا قالوا يبدأ بالأحجار وإذا جمع بينها وبين الماء كان أفضل ، ولكنه إذا صب الماء وحده فإنه وإن كان ينقي الموضع ويطهره لكنه لايخلو عند صب الماء أول ما يكون بعد انقضاء الحاجة يختلط الماء بالنجاسة فكأنه يتنجس ومن ثم ينتشر الأذى ، ولهذا يقلعه بالمنديل والحجر ونحو ذلك حتى يسلم من انتشاره في الموضع ، وعليه فإن أفضل هذه الأنواع الثلاثة أن يجمع المكلف بين طهارة الأحجار والماء سواءً كان الحجر أو كان غيره مما يقوم مقامه كالمناديل في عصرنا الحاضر .
وأما بالنسبة للجمع بين الحجر والماء فقد ورد فيه حديث ضعيف عن النبي-
r- : " أنه سأل أهل قباء عن ثناء الله -U- عليهم في كتابه بالطهارة فقالوا إنا كنا نتبع الحجارة الماء " قالوا إن هذا يدل على أفضلية الجمع بين طهارة الماء والحجر ، والحديث وإن كان ضعيفاً فإن العلماء يفضلون طهارة الماء والحجر من جهة كونه مبالِغاً في إزالة النجاسة وذهابها وفيه أمن من انتشارها عن الموضع الذي خرجت منه .
المسألة الثالثة : إذا تبين أن الاستنجاء مشروع .
فحينئذٍ يرد السؤال: إذا كان الاستنجاء بالأحجار مشروعاً فهل هو مشروع في جميع الخارج أم هو خاص ببعض الخارج دون بعض ..؟؟
وتوضيح ذلك :
أن الإنسان ربما يبول أو يتغوط أو يخرج منه المذي والودي ، فهل طهارة الأحجار كطهارة الماء تستعمل في جميع هذه النجاسات الخارجة ، أو هي طهارة مخصوصة ببعض الأنواع دون بعضها ؟؟
أما بالنسبة للبول والغائط : فالعلماء-رحمهم الله-مجمعون على أنهما يُطهَّران بالأحجار .
وأما بالنسبة لما عداهما وذلك كالودي والمذي ففيه تفصيل وخلاف بين أهل العلم - رحمهم الله -:
فأما بالنسبة للمذي : وهي القطرات التي تخرج عند بداية الشهوة كالملاعبة ، والنظرة ، والتقبيل ونحو ذلك ، فهذه القطرات اليسيرة التي تخرج من العضو تعتبر نجسة كما دل على ذلك حديث المقداد -
tوأرضاه- لما سأل النبي -r- فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-:(( يغسل ذكره وأنثييه )) -كما في رواية أبي داود في السنن- فدل هذا على أن المذي نجس ، وأما طهارته فللعلماء قولان :
القول الأول : وهو قول جمهور أهل العلم -رحمة الله عليهم- من الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية عن الإمام أحمد أنه يجزىء في المذي أن يستجمر .
والقول الثاني : وذهب المالكية ، والحنابلة في الرواية الثانية إلى أن المذي لا يجزىء فيه إلا الغسل .
واستدل الذين قالوا بأنه لابد من غسل المذي بأن النبي-
r- أمر بغسله ، كما في حديث المقداد حينما أمره علي-tوأرضاه- أن يسأل النبي -r- .
واستدل الذين قالوا إنه يجزىء فيه الحجر بأنه خارج نجس فيقاس على البول والغائط ، فكما أن الإنسان يتطهر بالحجر إذا خرج منه البول والغائط فكذلك يتطهر بالحجر إذا خرج منه المذي ، وهذا قياس.
وأقوى القولين أنه لابد من الغسل ؛ لأن النبي-
r- أمر بالغسل ، ولأن المذي أشد من البول وذلك أن المذي لزج ، ولزوجته يصعب معها قلعه ، ومن ثمَّ كان اعتبار الماء فيه أولى ، ومن هنا يصبح قياس أصحاب القول الأول قياساً مقابلاً للنص ، والقاعدة في الأصول : " أن من قوادح القياس فساد الاعتبار وهو أن يكون القياس في مقابل النص " ، والحديث هنا أمر بالغسل ولم يثبت عن النبي-r- الاستجمار بالأحجار في المذي ؛ ولأن الأصل في الطهارة أن تكون بالماء حتى يدل الدليل على ما دون ذلك ، فدل الدليل في غير المذي وبقي المذي على الأصل ، وإذا تقرر هذا فإنه لابد في طهارة المذي من أن يغسل الفرج .
وأما بالنسبة للودي : فالودي قطرات لزجة تخرج بعد البول وهي تكون بعد انقطاع البول ، ربما تكون مباشرة أو تكون بفاصل يسير ، هذا النوع من القطرات يسميه العلماء بالودي ، والودي ماء أكدر وهو ماء نجس وآخذ حكم البول من حيث النجاسة ، وجماهير السلف-رحمهم الله-والخلف على أنه يعتبر نجساً ، وأما بالنسبة لطهارته فقد اتفق العلماء -رحمهم الله- على أنه يزال بالأحجار كما يزال بالماء وذلك لأنه ليس كالمذي ، وإنما هو كالبول وآخذ حكم البول ، ومن هنا قالوا حكمنا بنجاسة الودي ؛ لأنه يخرج بعد البول وهو كالبول بنفسه ، ومن هنا قالوا يجزيء فيه ما يجزيء في البول .
يقول المصنف-رحمه الله-" باب الاستنجاء بالأحجار ":أي في هذا الموضع سأذكر لك هدي رسول الله -
r- باستنجائه بالأحجار ، وهدي النبي -r- باستخدام الأحجار في الاستنجاء ثبتت به السنة القولية والفعلية عنه -صلوات الله وسلامه عليه- ، ولذلك أجمع العلماء-رحمهم الله-على مشروعية الاستجمار بالأحجار ، وخالف بعض أهل البدع والأهواء ممن لايعتد بخلافه فقالوا إنه لا بد من الماء ، وظاهر النصوص عن النبي-r-تقتضي جواز الاستجمار بالأحجار مطلقاً .
وتوضيح ذلك : أن الطهارة تنقسم إلى قسمين بالنسبة للمُطَهِّر الذي يطهر الإنسان به نجاسته :
القسم الأول : مائع وهو الماء . والقسم الثاني : جامدكالأحجار ، والتيمم بالتراب ونحو ذلك ، فطهارة الأحداث والأخباث تنقسم إلى هذين القسمين ، فأما بالنسبة لطهارة الأحداث كالوضوء ، والغسل فلا بد من طهارة الماء وهي الأصل ، ولا يحُكم بجواز انتقالك إلى التيمم إلاعند فقد الماء ، أو تعذر استعمالك للماء ، وأما بالنسبة لطهارة الحدث .
فيرد هنا السؤال : هل طهارة الخبث كطهارة الحدث فلا يستجمر الإنسان بالأحجار إلا عند فقد الماء أم أن الأمر واسع..؟؟
والجواب
: أنه يجوز لك أن تستجمر بالأحجار ونحوها كالمناديل وغيرها ، سواءً وجدت الماء أو لم تجد الماء ، وسواءً تيسر لك استعماله أو لم يتيسر لك استعماله ؛ لأن النبي-
r-استجمر بالأحجار في الحضر، ولم يثبت دليل في كتاب الله ولا في سنة النبي -r- بتخصيص الاستجمار بحالة الاضطرار ، ولذلك قال العلماء : يجوز لك أن تستجمر ولو كان الماء عندك ، بل حتى ولو كان الماء قريباً من الإنسان كما هو الحال الآن ، فإنه يجوز له أن يعدل عن الماء إلى المناديل ونحوها كالأحجار ؛ ولكن طهارة الماء أفضل وأكمل ويشترط في صحة الإجزاء بطهارة الاستجمار ألا يجاوز الخارج الموضع ، فإذا خرجت النجاسة وانتشرت فإنه حينئذٍ يجب على الإنسان أن يصب الماء.
وتوضيح ذلك : أن الإنسان إذا بال أو تغوط فإنه لا يخلو بوله وغائطه من حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون في الموضع دون أن ينتشر .
والحالة الثانية : أن ينتشر ويجاوز الموضع ، ففي البول يسري على القضيب مثلاً ، أو ينـزل إلى أنثييه ونحو ذلك من الصور التي يجاوز فيها البول الموضع .
والصورة الثانية أن يكون في الغائط مجاوزاً للصفحتين -طرفي الإلية- فحينئذ يجب على المكلف أن يصب الماء ، أما إذا كان في الموضع دون أن يجاوزه فإنه مخير على الصورة التي ذكرناها سابقاً .


يقول المصنف -رحمه الله - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قِيلَ لِسَلْمَانَ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ- r- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ :" أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ ".
الشرح:
هذا الحديث أصله في الصحيح عن النبي -r- من رواية سلمان -tوأرضاه- وهو سلمان بن الإسلام الفارسي -t-قيل له: من أبوك قال: أبي الإسلام ؛ ولذلك قال الإمام الحافظ الذهبي هو أبو عبدالله سلمان بن الإسلام تشريفاً له وتكريماً -tوأرضاه- وإنما قال أبي الإسلام لكي يرد التنطع الذي كان الناس فيه من الافتخار بالأحساب والأنساب وتفضيلبعض الأجناس على بعضها فرد الأمر إلى نصابه ، وذكّرهم بشرف الإسلام الذي زالت معه الأحساب والأنساب ؛ ولذلك لما نزل قوله-تعالى-:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبَاً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } قال علي -t وأرضاه-" ذهب النسب اليوم" أي ذهب التفاخر بالأنساب بعد قوله -I- :{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ } ومع هذا فقد كان سلمان شريفاً في قومه فإنه من أبناء ملوك فارس ، وإنما عدل عن الافتخار بحسبه ونسبه إلى الافتخار بدينه الذي هو أعز وأشرف وأكمل له -tوأرضاه- ، ولد -t وأرضاه- بأصبهان ، وكان أبوه رئيس قومه وكان أبوه يحبه محبة عظيمة وعلَّمه دين المجوسية فكان قيماً على ناره ، ثم إن سلمان-tوأرضاه- خرج ذات يوم في حاجة لأبيه ، فمر على قوم يعبدون الله على دين النصرانية فأعجبته صلواتهم ، فسألهم عن دينهم فأخبروه ، فأحبهم وأحب دينهم ، فلما رجع إلى أبيه أخبره الخبر ، فغضب عليه أبوه غضباً شديداً وحبسه في بيته ، فصار سلمان -tوأرضاه-يبعث إلى النصارى إذا وجد قوم يذهبون إلى الشام أن يخبروه ، فلما تهيأت الرفقة والسفر ، خرج -tوأرضاه- مع تلك الرفقة إلى الشام يطلب الحق والدين الصحيح ، وكانت النصرانية لازالت فيها بقية باقية من الصالحين ، وعلمائهم مهتدين ، فخرج -t وأرضاه- فدل على أسقف من أسقف النصارى فلزمه وكان ذلك الرجل كذاباً نصاباً -والعياذ بالله- ، يأكل أموال الناس بالباطل حتى أدركته المنية ، وسلمان يطلع على كذبه وتزويره واحتياله ، فلما حضرته المنية ومات ، أخبر سلمان -t -الناس وأطلعهم على كنـزه ، فأمر النصارى به فصلبوه ثم أخذوا رجلاً من أصلح قومهم ، فنصَّبوه مكانه ، وكان ذلك الرجل من تسخير الله لسلمان ، حيث أحبه سلمان ، وكان رجلاً صالحاً عابدًا ، فلزمه سلمان حتى أدركه الموت ، فقال له سلمان : إلى من توصي بي ، فقال له: إنه لم يبق على ما أنا عليه من الخير إلا رجل هو بالموصل ، ووصف له ذلك الرجل الذي على دينه وصلاحه وتقواه ، فانطلق سلمان -tوأرضاه- إلى الموصل ولزم ذلك العابد حتى أدركته المنية ، فدله على رجل بنصِّيبين فانطلق -tوأرضاه- إليه وكل ذلك يريد به الوصول إلى الحق ، ولذلك لم يخيبه الله -U- وخبأ له الخير العظيم والفضل الكريم ، حتى صار من أصحاب النبي-r- الأجلاء ، فلما حضرة الوفاة ذلك العابد الأخير قال له قد أظل زمان يخرج فيه نبي بأرض تهامة من بلاد العرب ، ودله على صفات النبي -r- ، فانطلق سلمان في قصة طويلة حتى صار إلى يثرب وهو رقيق ، ثم إنه لما قدم-عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة وانتشر خبرقدومه-عليه الصلاة والسلام- فرح سلمان فرحاً شديدا ، وانطلق إلى رسول الله -r-واختبر الآيات والعلامات فيه-صلوات الله وسلامه عليه ، فأعطى النبي-r- الطعام فقال له: ماهذا ؟ قال هذه صدقة ، فقال-عليه الصلاة والسلام -:(( كلوا )) ولم يأكل مع أصحابه ففطن سلمان -t- لذلك ثم جاءه المرة الثانية بطعام فقربه إليه فقال : ماهذا؟ قال هذا : هدية ، فأكل-عليه الصلاة والسلام- وأكل أصحابه ، وذلك لأن الكتب السماوية تصفه-عليه الصلاة والسلام-بأنه يأكل الهدية ولايأكل الصدقة ، فانتبه سلمان-t-لهذه الأمارة حتى انتظر أن يرى خاتم النبوة على كتف النبي- r-حتى إذا خرج ذات يوم-صلوات الله وسلامه عليه- في جنازة ، قام سلمان وراء ظهره كأنه ينظر إلى خاتم النبوة ، ففطن- عليه الصلاة والسلام-لأمره فأزاح الرداء عن خاتم النبوة ، فأكب سلمان -t- على رسول الله -r- وشهد أنه رسول الله وتبينت له الأمور ، فلزم رسول الله-r-وكان لايزال رقيقاً لأنه سُرِق في الطريق وبيع على أنه رقيق ، فتخلف عن غزوة بدر وأحد ، حتى شاء الله-U- أن أمره-عليه الصلاة والسلام- بالكتابة فكاتب ، فتحرر من الرق ولزم رسول الله-r- ، وأحبه النبي-r- ومن مناقبه المشهورة أنه لما أهم أمر الأحزاب رسول الله -r- وعلم أنه لاقبل له وأصحابه بهؤلاء القوم الذين هم في كثرة من العدد والعدة ، قال سلمان-tوأرضاه- يارسول الله إنا كنا إذا خفنا العدو خندقنا ، فأشار بالخندق على رسول الله-r- فكانت نعم المشورة وسلم بها المسلمون من أذى الكفار ، وإلافكان يحصل من الضرر ما الله به عليم ، ولما توفي رسول الله -r- حفظ أصحاب رسول الله-r- لسلمان فضله وشرفه ومكانته ، وولاّه عمر -t وأرضاه- المدائن وكان عفيفاً كتب إلى عمر أكثر من مرة يستعفيه فلم يعفه ، حتى أدركته المنية سنة ستٍ وثلاثين -tوأرضاه- .
يقول :"قيل له علمكم رسول الله كل شيء حتى الخراءة ":هذه الجملة استفهام فيه إنكار وفيه استهزاء واستخفاف من أعداء الله ورسوله بالنبي-
r- وتهكم بأصحابه ، وقد جاء في رواية ابن ماجة في السنن أن الذين سألوا هذا السؤال إنما هم المشركون ، فقالوا لسلمان :"علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة "، وهذا يدل على أمرين:
الأمر الأول: حقد أعداء الله على عباد الله وأوليائه ، وما يُكِنُّون في قلوبهم من الإهانة والإذلال لأولياء الله ، وهذا هو دأب الكفار ، ومن سلك سبيلهم من الفجار ، كما أشار الله-تعالى-إلى ذلك بقوله-سبحانه-:{وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُوْرُهُمْ أَكْبَرُ } 1فأعداء الله يؤذون أولياء الله باللسان ، وبالسنان ، وبالجوارح والأركان ، وليست عداوة الأعداء مقتصرةً على شيء دون شيء ، فهم لايألون أذية المؤمنين ، كما قال-
I-:{لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} فهم لايقصرون في شيء من الأذية باللسان وبغير اللسان ، وفيه شاهدٌ على ما كان عليه أصحاب النبي -r- من سعة في النفوس وفي الصدور ، لتحمل أذية أعداء الله وإهانة الأعداء ، بتلقي كلامهم بالصدر الرحب ومقارعته بالحجة الدامغة والقول الفصل ، الذي يُكبت به العدو ويُنْكَى .
والأمر الثاني : قولهم" علمكم نبيكم كل شيء ": فيه دليل على سعة الإسلام وشموليته في أحكامه وشرائعه ، وهذا من غفلة أعداء الإسلام ، فإن شمول الإسلام شرف له وكرامة ، وذلك أن الله-
I-لم يجعل ديننا يقتصر على الصوامع والمساجد ، فولي الله المؤمن يعبد الله قائماً وقاعداً ، حتى ولو أراد أن ينام له ذكر يقوله قبل نومه ، ولو تقلب في ضجعته ذكر ربه وشُرِعَ له ما يقربه إلى الله-سبحانه - .
وفيه دليل على عظيم رحمة الله بأهل الإسلام ، وذلك أن الإسلام إذا كان شاملاً بهذه الصورة فإنه يتسع مجال العبادة والتقرب لله-
I - فالمؤمن تكون له حسنات حتى وهو قاعد على حاجته فإذا انحرف عن القبلة إمتثالاً وطاعة لله أُجِر ، وكذلك إذا استنجى واستجمر أُجِرَ ، وهكذا إذا دخل وخرج وقرأ الأذكار أُجِرَ كل ذلك يزيد من الحسنات ، ويرفع من الدرجات ، فالحمدلله على فضله العظيم .
قال سلمان -
t-:" أجل "-أي - نعم ، علمنا كل شيء ، وكأنه يفتخر ويكبت العدو بإقراره-tوأرضاه-"أجل نهانا أن نستقبل القبلة ببول أوغائط" ، أي حرم علينا استقبال القبلة بالبول والغائط.
وقولهم" حتى الخِراءة ": الخِراءة بالكسر هي الهيئة التي يجلس الإنسان عليها أثناء قضائه للحاجة ، والخَراءة بالفتح قال الإمام القاضي عياض : إنها بدون تاء تكون اسماً للخارج ، وفي الصحاح للجوهري : إنها تطلق حتى بالتاء على الخارج من السبيلين .
وقوله "أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أوبول ":أي حرم علينا -صلوات الله وسلامه عليه- استقبال القبلة بالبول والغائط ، وفي هذا دليل لمن ذهب إلى تحريم الاستقبال والاستدبار مطلقاً ، حيث إن النهي فهمه الصحابة على العموم وهو يقوي القول الذي رجحنا لحديث أبي أيوب الأنصاري-
t وأرضاه- والذي تقدم معنا في باب النهي عن استقبال القبلة .
قال -
t-"أو أن نستنجي باليمين": وقد تقدم المراد بهذه الجملة في حديث أبي قتادة في المجلس الماضي.
"أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار": هذه الجملة هي موضع الشاهد معنا ، أي نهانا رسول الله-
r- عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار ، وظاهر قوله (أو) أنه يدل على العطف ، وهي بمعنى الواو ، وذلك معروف مشهور كما في قوله -سبحانه-:{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} أي ويزيدون ، وقوله-I -:{ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} أي وأدنى لأن الله لايشك-I- .
وهنا اشكال : لماذا لم يقل سلمان ونهانا أن نستنجي باليمين ، فيعطف بالواو بدل أو..؟؟
والجواب:
أن العطف بأو أولى وأحسن ، وذلك أنه لو عطف بالواو لظن الإنسان أن النهي عن هذه الأشياء إذا كانت مجموعة ، وأنه لايشملها إذا كانت متفرقة ، ولذلك كان العطف بأو أولى وأحرى ، أي نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار .
الثلاثة الأحجار ، هذه الجملة فيها دليل على وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار وأنه لايجوز الاستنجاء بما دون ثلاثة أحجار، وللعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران :
القول الأول : لابد من ثلاثة أحجار وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة ، وإسحاق ، وأبي ثور إبراهيم بن خالد ابن يزيد الكلبي -رحمة الله على الجميع - .
القول الثاني : أنه يجزيء أقل من ثلاثة أحجار ، يجزيء ماكان أقل من ثلاثة أحجار وهو مذهب الحنفية والمالكية والظاهرية-رحمة الله على الجميع - .
استدل الذين قالوا بوجوب ثلاثة أحجار بهذا الحديث الصحيح الصريح ، وذلك أن النبي -
r - اعتبر العدد ونهى عن أقل من ثلاثة أحجار فدل على أنه لايجزيء أن يستجمر بأقل من ثلاثة أحجار ، وكذلك حديث عبدالله بن مسعود في الصحيح أن النبي-r- لما ذهب إلى الغائط قال :(( ائتني بثلاثة أحجار)) فانطلق عبد الله بن مسعود -t-:(( فأحضر حجرين وروثة)) الحديث المشهور.
قالوا :قوله :(( ائتني بثلاثة أحجار)) : فيه دليل على أنه يجب الاعتداد بالثلاث لا بما دونها ، قالوا : ولأن الثلاثة الأحجار أمكن في التطهير والنقاء وهو المقصود شرعاً : "وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " ، فالغالب أن البول والغائط لايزول بالواحد ولا بالاثنين وإنما يكون زواله في الغالب بالثلاث فمن هنا قالوا إنه لايجزيء أقل من ثلاثة أحجار .
واستدل أصحاب القول الثاني بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي -
r- قال :(( من استجمر فليوتر)) ووجه الدلالة من هذا الحديث : أن النبي -r- قال:(( من استجمر فليوتر )) فدل على أنه لو أوتر بحجر واحد وانقطعت النجاسة بهذا الحجر الواحد أنه يعتبر مجزئاً ، واستدلوا كذلك بحديث عبد الله ابن مسعود وذلك أنه أحضر للنبي -r-حجرين وروثة قال فألقى الروثة وقال:(( إنها ركس )) قالوا فهذا يدل على أن الحجرين يجزئان .
هذا هو حاصل ما استدل به أصحاب القول الأول والثاني .
والذي يترجح في نظري والعلم عندالله أنه لابد من ثلاثة أحجار ؛ وذلك لأن النبي-
r- أمر بها كما في حديث ابن مسعود في الصحيح ؛ ولأن حديثنا يدل على عدم الاعتداد بما دونها من جهة النهي:(( أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)) ، وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من حديث أبي هريرة-tوأرضاه- فإننا نقول : إنه نص مطلق والقاعدة في الأصول : " أن المطلق محمول على المقيد" ، فقوله ((فليوتر)) المراد به الثلاث فما فوقها من الأوتار ولأن السياق فيه المراد به أنه إذا قطع البول عند شفع أن يقطعه بالوتر فخرج الحديث عن موضع نزاعنا على الوجه الثاني .
وأما حديث :(( من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)) ففيه الكلام المعروف ، ولذلك إذا تبين هذا فإنه لايجزيء أن يستجمرالإنسان بأقل من ثلاثة أحجار .
أما الطريقة التي يستجمرالإنسان بها بثلاثة أحجار فإنه كما ذكر جمع من العلماء لايخلو الإنسان من حالتين :
الحالة الأولى : أن يستجمر من البول . الحالة الثانية : أن يستجمر من الغائط .
فأما استجماره من البول فإنه يمسح الذكر من الأعلى إلى الأسفل بالحجر الأول ، ثم بالحجر الثاني من الأسفل إلى الأعلى ، ثم بالحجر الثالث عكسه ، وذلك لأنه محقق لمقصود الشرع من حصول الطهارة على خلاف ما إذا انصب مسحه على صورة واحدة ، كأن يبدأ من الأعلى إلى الأسفل ، أومن الأسفل إلى الأعلى فإنه إذا فعل بالأعلى بقيت النجاسة في الأدنى ، وإذا فعل بالأدنى بقيت النجاسة في الأعلى ، فلا بد من وجود هذه الصورة التي تحقق مقصود الشرع ، أما لو عصر رأس العضو وحصل به النقاء فإنه مجزيء-إن شاء الله تعالى-.
المسألة الثانية : إذا تبين أن الثلاثة الأحجار لابد منها للبول والغائط فما هي صفة الاستجمار بالأحجار في الدبر؟
قال العلماء : الحجر الأول ينقي به المسربة وما كان في الدبر نفسه من حلقته وما حولها ، والحجر الثاني لصفحة اليمين ، والثالث لصفحة اليسار ، وبهذا يغلب على ظنه نقاء الموضع ، وأما بالنسبة لهذه الثلاثة الأحجار فإنه يقوم مقامها أن يكون الحجر كبيراً له ثلاث شعب ، فإذا كان الحجر كبيراً وله ثلاث جهات منفصلة فإنه يجزيء عند جمع من فقهاء الشافعية والحنابلة-رحمة الله على الجميع - وبه أفتى إسحاق ابن راهويه ، وكذلك إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي المعروف بأبي ثور كلهم يقولون يجزئه الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب ، أي له ثلاث جهات متباينة ، فكل جهة واحدة منها تعتبر بمثابة الحجر الواحد ، وذلك أنه يوصف بالتعدد ومن هنا قال إنه يجزيء أن يستجمر بهذا النوع من الأحجار .
وهنا مسألة مشهورة: وهي هل يجزيء غير الأحجار ؟ وهل يقوم مقام الأحجار غيرها من الطاهرات ؟ كالأخشاب والمناديل والقماش ونحو ذلك ..؟؟
للعلماء في هذه المسألة قولان : منهم من يقول لابد من الأحجار ، ومنهم من يقول : إن غير الأحجار ينـزل منـزلتها ، وهذا هو الصحيح أن غير الأحجار يقوم مقامها ، وذلك بشرط أن يكون طاهراً غير محترم -كما سيأتي في الجملة الثانية إن شاء الله تعالى- فيجزيء أن يستجمر بالمناديل ، وكذلك يستجمر بالأقمشة ، ويستجمر بالأخشاب وغير ذلك من الطاهرات ، بل لاحرج عليه أن يأخذ كفاً من تراب ثم يضع العضو عليه حتى يتحقق من وجود الإزالة فكل حفنة من التراب تقوم مقام الحجر ؛ لأنها تحقق مقصود الشرع من الإنقاء .
وقوله-
t وأرضاه-"وأن نستنجي بثلاثة أحجار": أي نهانا - عليه الصلاة والسلام - أن نستنجي بأقل من هذه الثلاثة.
وقوله "أن نستنجي برجيع أو عظم ": الرجيع مأخوذ من قول العرب رجع الشيء يرجع رجوعاً إذا عاد إلى حالته الأولى ، ومن المعلوم أن الإنسان في الأصل إنما يأخذ طعامه من النبات ، والنبات خارج من الأرض ، فإذا أكل الإنسان الطعام وصار ذلك الطعام إلى الغائط ، فإن الغائط يرجع إلى حالته الأولى ، أي يصير تراباً ؛ فلذلك سمت العرب الخارج رجيعاً بهذا ، ويطلق الرجيع بمعنى المطر ، فيقال للمطر رجيع لأنه يرجع الأرض إلى حالتها من حصول الحياة فيها ومنه قوله-
I -:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } قال جمع من العلماء :أي ذات المطر ولذلك قابلها بقوله:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ @ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} فجعله من باب المقابلة تذكيراً بنعمة النبات وما يكون فيها من الخير للإنسان ، ويطلق الرجيع على العذرة التي تكون من الآدمي ، ومن العلماء من يقول : إنه يطلق على فضلة الآدمي والحيوان ، أي نهانا رسول الله -r-أن نستنجي من البول والغائط بالرجيع ، والسبب في ذلك أحد أمرين :
الأمر الأول : كونه نجساً وحينئذٍ لاإشكال .والأمر الثاني : كونه قذراً إذا قلنا إنه شامل لفضلة الحيوان الطاهرة ، فأما كونه رجيع آدمي فإن رجيع الآدمي نجس ، ولذلك لا يجزيء أن يزيل الإنسان النجس بالنجس ، وبناءً على ذلك قال العلماء : لو أن إنساناً وجد حجراً نجساً وأراد أن يتمسح به من البول والغائط ، فإنه يحكم بعدم الاعتداد بذلك الاستنجاء لكونه نجساً ، فالنجس يزيد المحل نجاسة وقذراً ، أما لوغسل ذلك الحجر وأنقاه من النجاسة ثم بعد ذلك تمسح به فلا إشكال ، وعلى هذا فلو قضى الإنسان حاجته على أرض ، وهذه الأرض يبول عليها الناس ، وتحقق أن بولهم أصاب أحجارها فإنه لايجزيه أن يأخذ من هذه الأحجار للاستنجاء والاستجمار ، وتفرَّع على هذا النهي من رسول الله -
r- تحريم الاستنجاء بالنجاسات ، وفي حكمها القاذورات ، لأنها لاتنظف المكان بل تزيده نجاسة ، وفي الصحيح عن النبي -r- أنه ألقى الروثة وقال:(( إنهاركس)) ، وقوله ((إنها ركس)) أي :رجس ، وهذا على لغة أهل اليمن ، وذلك أنهم يبدلون الجيم كافاً ، فقال - صلوات الله وسلامه عليه-:(( إنها ركس )) أي رجس نجس ، وهذا على القول بنجاسة الأرواث .
قوله -
t-أو أن نستنجي برجيع أوعظم : العظم معروف والعظام لاتخلو من حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون عظام آدمي.
الحالة الثانية : أن تكون عظام الحيوانات .
فأما عظام الآدمي فإن كان مسلماًفالأمر عظيم ؛ لأن النبي -
r- قال في حديث أم المؤمنين عائشة :((كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم )) فجعل حرمة الأموات كحرمة الأحياء ، فلا يجوز الاستنجاء بعظام موتى المسلمين ، ولا يجوز الاستنجاء بعظام المقابر التي عُرِف أن أهلها مسلمون ، وذلك أصل مجمع عليه بين العلماء -رحمهم الله - .
أما إذا كان العظم عظم كافر فإنه قد ورد النص بتكريم الآدمي مطلقاً كما في قوله -
I -:{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ }1 قال العلماء : هذا التكريم عام شامل لبني آدم دون فرق بين كافر ومسلم ، وهو التكريم النسبي .
وأما التكريم العام فإنه لايكون إلا بالإسلام ، فلأجساد الناس حرمة ولو كانوا من الكافرين ؛ ولذلك نهى النبي -
r- عن التمثيل بجثث الكفار ، وهذا يدل على حرمتها فلا يجوز الاستنجاء بعظامهم ، أما عظم الحيوان فهو المقصود في هذا الحديث عن رسول الله -r- والسبب في ذلك أحد أمرين :
الأمر الأول : أن الله جعل العظام جعلها زاد إخواننا من الجن كما في الحديث الصحيح عن عبدالله ابن مسعود أن الجن لما اجتمعوا مع النبي -
r - وآمنوا به وصدقوه ، سألوه الزاد ، فقال-عليه الصلاة والسلام- :(( لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحماً )) فكون الإنسان يقضي حاجته ويستنجي بالعظم ينجسه ويفسده على إخوانه من الجن من هذا الوجه ، وفيه وجه ثانٍ :وهو أن العظم أملس ، والعظم إذا كان أملسَ فإنه لاينقي ، وهذا هو الذي دل عليه الحديث أن النبي -r-قال عن العظم والروثة:(( إنهما لايطهران)) ، قالوا فهذا يدل على أن العلة في العظم إنما هي كونه أملس ، وبناءً على ذلك قالوا : يجوز لك أن تستجمر بالطاهرات على التفصيل ، فالطاهرت إذا كانت ملساء فإنه لايجزىء أن يستجمر الإنسان بها.
مثال ذلك : الزجاج فإن الزجاج كالعظام فلو أن إنساناً بال ثم أخذ زجاجة واستجمر بها فإنه لايجزيه ؛ لأن الزجاج أملس وملاسته لايمكن أن تأخذ ما ثَمَّ من النجاسات ، وفي حكم الزجاج ما كان أملس من حديد ونحاس ورصاص وغير ذلك ، فكل هذه الأشياء لايستنجى بها ؛ لأنها لاتنظف الموضع ولاتطهره ، وكذلك في حكمه ما كان ضعيفاً ، قال العلماء : نظرنا إلى نهيه- عليه الصلاة والسلام- عن العظام وقوله:(( إنهما لايطهران)) ففهمنا من ذلك أن كل شيء يستجمر به الإنسان ويكون ضعيفاً في النقاوة أنه لايعتد به ، ومن هنا قال بعض العلماء : لايجزىء أن يستجمر بالفحم ؛ لأن الفحم لايقوى على تشرب النجاسة فيه لمكان ضعفه ، وفي حكم الأملس ما كان مائعاً ضعيفاً كالطين إذا كانت به نداوته ورطوبته ، فإنه إذا كان رطباً فإن الماء لايمكن أن يتسرب معه الماء ، ومن هنا لايجزيه أن يستجمر بالطين فكل هذه الأشياء آخذة حكم العظم .
وقوله -
t وأرضاه-"ونهانا أن نستنجي بالعظم":إذا قلنا إن العلة في العظام هي كونها زاداً لإخواننا من الجن.
ففرَّع العلماء -رحمهم الله - على ذلك المسألة المشهورة : وهي الاستنجاء بالطعام ..؟؟
قالوا : لا يجوز للمسلم أن يستنجي بالطعام ، ولكن لو أن إنساناً-والعياذ بالله- استنجى بالطعام ، أو أخذ طعاماً واستنجى به كأن يأخذ ثمرة أو طعاماً ثم يمسح به ، فلو أخذ الخبز مثلاً واستجمر به وهو لا يدري أنه خبز يظنه حجراً واستجمر به هل يجزيه أو لايجزيه ؟
قولان للعلماء : فمذهب الحنفية والمالكية أنه يجزيه .
ومذهب الشافعية والحنابلة أنه لايجزيه ؛ لأن النبي-
r- نهى عن ذلك ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ومذهب الحنفية والمالكية من جهة النظر أقوى ، ومذهب الشافعية والحنابلة من جهة الظاهر أقوى ، ولذلك يتردد الأمر بين النظرين ، وإن كان النهي لايقتضي فساد المنهي عنه في مسألتنا ، أما الأطعمة فإنها تنقسم إلى أقسام :
القسم الأول : أن يكون المطعومكله يؤكل ظاهره وباطنه فلاإشكال ، فإذا كانت الثمرة تأكل ظاهرها وباطنها فمحرم أن يستنجي الإنسان بظاهرها وباطنها.
القسم الثاني : أن يكون المطعوم يؤكل ظاهره دون باطنه ، كالحال في حبوب الذرة ، إذا كانت معلقة قبل إخراجها من مكانها فإن الإنسان يأكل الحب دونما علق به ذلك الحب .
القسم الثالث : أن يكون مطعوم الباطن دون الظاهر ، كما هو الحال في البرتقال والموز ونحوهما من الثمرات ، أما إذا كان الطعام يؤكل ظاهراً وباطناً كالتفاح ونحوه ، فإنه يحرم أن يستنجي بظاهره وباطنه ، وأما إذاكان يأكل باطنه دون ظاهره ، كأن يكون عليه جلد يتشرب النجاسات فقال بعض العلماء يجزيه ، ولاحرج عليه أن يستنجي بظاهره كقشر البرتقال ونحو ذلك ، وهذا في حالة ما إذا أُبين القشر ، قالوا لاحرج أن يأخذه ويتمسح به وهكذا الحال لو أخذ قشر بقية الثمار التي لايؤكل قشرها ، فتمسح به قالوا إنه في حكم سائرالطاهرات ، وأما باطنه فإنه لايجوز له أن يستجمر به ، وأما إذا كان مأكول الظاهر دون الباطن كالذرة من الحبشة ونحوه فقال العلماء : يجزيه أن يستجمر بباطنه دون ظاهره فذرة الحبشي لو أن إنساناً أكل ظاهره وبقي باطنه ، فأراد أن يستنجي بالباطن قالوا لاحرج ، وهذا مبني على الأصل : " أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً " ، فلما كانت العلة في الطعام قالوا إن غير الطعام لايشمله النهي وقد قالوا إن الماء مطعوم ؛ لأن الله-
I- قال فيه: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} وهو نهر من الماء كما في قصة طالوت ، قالوا فهذا يدل على كون الماء طعاماً ومع ذلك يصب وينقى به الموضع . والصحيح أنه ينبغي للمسلم أن يتقي هذه الأحوال كلها وأن يقتصر على ما عدا ذلك من الطاهرات ففيه الغناء والكفاية ، والله أعلم .

@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @

السؤال الأول :
هل يجوز في الاستجمار بالمناديل والأخشاب ، وهل يكون منديل واحد أو خشبة واحدة أم لابد فيها من ثلاثة مناديل وثلاثة أخشاب قياساً على الأحجار ..؟؟
الجواب:
بسم الله الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فالمناديل والأخشاب آخذة حكم الأحجار كما قدمنا وبناءً على ذلك فإنه يأخذ ثلاثة مناديل .
أما إذا كان المنديل ثخيناً كما يقول العلماء بحيث لو وضع العضو على طرفه ، وتسربت فيه النجاسة لا تظهرمن الطرف الثاني فإنه يجزيه أن يتمسح بوجهين ، فيتمسح بوجه ثم يتمسح بالوجه الثاني .
أما إذا كان من المناديل المعروفة الآن ، وهي الرقيقة الشفافة التي إذا وضع العضو على طرفها ظهرت النجاسة من طرفها الثاني فكل منديل منها يعتبر بمثابة الحجر ، ولابد فيها من التعدد ، وكذلك الحال بالنسبة للخشب فإنه إذا كان الخشب يتشرب النجاسة ، ويظهر من ورائه كالخشب الرقيق الشفاف فكل خشبة يعتد بها على حدة ، وأما إذا كان ثخيناً لا يتسرب إلى وجهه الثاني قالوا إنه يجزيه أن يستجمر بوجه ثم يقلب للوجه الثاني ، والله تعالى أعلم.
السؤال الثاني :
لو أن إنسانًا بقي عليه أثر البول ،كأن تسقط قطرات البول على الأنثيين فيجب عليه أن يطهره بالماء والسؤال لو أنه كان في موضع لايجد فيه ماء ، فماذا يصنع ..؟؟
الجواب:
هذه المسألة للعلماء فيها قولان :
منهم من يقول : إذا جاوزت النجاسة الموضع وليس عنده ماء فحكمه حكم من فقد الماء ، وحينئذٍ يصلي ولو لم يجد ماءً ، ولم ينق ذلك المكان ، وعذروه في ذلك كالمستحاضة التي عُذرت شرعاً وصلت مع خروج الدم معه ، وهذا هو مسلك الجمهور - رحمة الله عليهم - وهو الأقوى .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : الجامدات تنـزل منـزلة المائعات ، فإذا سرى البول إلى الأنثيين ، أو إلى أسفل القضيب يجوز له أن يمر الحجر وأن يمر المنديل وأن ينشف النجاسة ، فإذا نشفها فإنه يحكم بطهارته ولو لم يغسلها بماء ، والصحيح مذهب الجمهور ، ولذلك قال -
r-:(( اغسل ذكرك )) ، وقال:(( يغسل ذكره وأنثييه)) ، وقال لعمر بن الخطاب :(( اغسل ذكرك ثم نم)) فهذا يدل كله على أنه لابد من غسل العضو بكماله عند مجاوزة النجاسة الموضع، والله تعالى أعلم .
السؤال الثالث:
وضح لنا -بارك الله فيك- ماهي المسربة..؟؟
الجواب:
المسربة ما يتسرب معه الشيء ، ولذلك هي مايكون ما بين القبل والدبر ، ويسمى العجَّان بالنسبة للنساء وهو ما ينشق عند ولادة المرأة ، لكن هذا تسري معه النجاسة في بعض الأحوال خاصة إذا كان الإنسان مستطلق البطن لأن الغالب أن الإنسان في الخلقة إذا جلس على وضع معتدل أنه لاتسري النجاسة إلى هذا الموضع ، وهذا من كمال خلقة الله للآدمي ، وهو مصداق قوله- جلا وعلا- :{خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } فهذا من خلقة الله-
U -للإنسان في أحسن تقويم ، أنه إذا أراد أن يقضي حاجته فإنه يجلس جلسة ينصب به الخارج خاصةً في القديم حينما يكون في العراء والخلاء ، يخرج منه الخارج دون أن ينتشر على بقية أسافل البدن وهذه رحمة من الله - تعالى- بالآدمي ؛ لكنه قد يتسرب مع مسربته لأنه يتسرب معه البول ، وفضلة النجاسات في بعض الأحوال ، ففي هذه الحالة يقولون إنه يزيل ما ثَمَّ بالحجر إذا كان في الموضع وما قاربه ، لأن : " ماقارب الشيء أخذ حكمه" أما إذا تجاوزه وتسرب إلى الأنثيين فإنه لابد من الغسل على الأصل الذي قررناه ، والله تعالى أعلم.
السؤال الرابع:
هل يدخل حكم مس الذكر في حكم من مس أنثييه..؟؟
الجواب:
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فقد ذكر بعض العلماء -رحمهم الله-أن حرمة اليمين تقتضي عدم مس الأنثيين باليمين ، ولذلك حتى إزالة الخارج كالمخاط ونحو ذلك لايكون لليمين ، فمن باب أولى مس الأنثيين ، ولذلك قالوا لايمس الأنثيين ، والقاعدة تقول :" ما قارب الشيء أخذ حكمه" ، والخصيتان والأنثيان في حكم الذكر ، وقد فُرِّعت عليها أحكام ، كما هو الحال في المذي ، حيث يغسلان جميعاً ، ويكونا بمثابة العضو الواحد، والله تعالى أعلم .
السؤال الخامس :
أشكل عليَّ أن الزيادة على ماورد في الشرع وإن كان فيه نوع أفضلية في الظاهر لايجوز ، فكما أنه لم يرد عن النبي -
r- الجمع بين الحجارة والماء فلزم كون من جمع بينهما قد أتى ببدعة ، فكيف نقول باستحبابها، أرجو التوضيح ..؟؟
الجواب:
هذا قد يسوغ من ناحية النظر أن تقول إنه لم يرد عن النبي -
r- لكن الثابت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه ربما ترك الشيء خشية أن يفترض على الأمة ، يتركه تيسيراً للأمة ، وخشية أن يُقتدى في ذلك فيكون فيه الحرج ، فكم من أمور مستحبة ولم يفعلها - عليه الصلاة والسلام - لكن دلت عليها أصول الشرع ، ومن هنا قال العلماء : لمَّا كان مقصود الشرع الطهارة ، وهو حصول النقاء ، والنقاء بالحجارة مع الماء أبلغ من النقاء بالماء وحده ، وذلك أن الحجارة تقلع النجاسة دون انتشار ، ولكن الماء يقلع النجاسة مع الانتشار، فلذلك حقق مقصود الشرع من جهة النظر ، مع أن قوله-عليه الصلاة والسلام-:(( إنهما لايطهران )) يدل على أن المقصود من الاستنجاء والاستجمار الطهارة ، فكلما كان الإنسان أبلغ طهارة فإنه أبلغ قربة لله- I-، فلو لم يندرج في صورة فعله - عليه الصلاة والسلام- للاستنجاء والاستجمار اندرج بالأصل العام ، والقاعدة : " أنه لايصح التبديع فيما دل عليه الأصل العام" ، فأنت حينما تقول الأصل العام هو النقاء والطهارة حينئذٍ تقول إنه لاحرج أن يجمع بين الماء والحجارة ، وقد يخفى على من يستشكل هذا الإشكال أن إزالة النجاسة وسائل وليست بمقاصد ، ليست من باب التعبديات ، وإنماهي من باب الوسائل ، ومن هنا يخفي عليه مسألة التبديع ، التبديع تكون في العبادات فيما يكون قربة بقصد التعبد بذاته ، أما ماكان مقصود الشرع فيه الإزالة ، ولذلك لاتشترط النية ، إذا قعدت لقضاء الحاجة وصببت الماء لايشترط أن تنوي في نفسك أن تزيل بهذا الماء الخارج ، فخرج عن قصد التعبد وإن كنت متعبداً في صورة الحال ، ومن هنا قالوا إن الإنسان يجمع بينهما وهو مذهب جماهير السلف -رحمة الله عليهم - ينصون على هذا ويذكرونه ، خاصة وأن مقصود الشرع يتحقق من جهة التطهير ، وإذا ثبت هذا لاحرج أن يقول الإنسان بالجمع بينهما ، والنبي-r- يقول:(( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه )) والتطهير من الشرع ، ولذلك لايصح التبديع في مثل هذا ، ولا أحفظ أحداً من أهل العلم-رحمة الله عليهم- من المتقدمين ومن السلف والأئمة يقول بتبديع ذلك ، والله تعالى أعلم .
السؤال السادس :
هل للإفرازات التي تحصل للمرأة عادةً وتزداد أكثر عند الحمل هل هي من النجاسة التي يجب الوضوء منها..؟؟
الجواب :
هذه الإفرازات يسميها العلماء -رحمة الله عليهم- برطوبة فرج المرأة ، والصحيح أن رطوبة فرج المرأة نجسة ، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عنه- عليه الصلاة والسلام - أنه قال للرجل لما جامع أهله ولم ينـزل ، وكان في أول الإسلام أن من جامع ولم ينـزل لايجب عليه الغسل ؛ وإنما يجب عليه الغسل إذا أنزل لقوله-عليه الصلاة والسلام-:(( إنما الماء من الماء)) ، فكانوا إذا جامعوا لايغتسلون إلا إذا أنزلوا ، فقال-عليه الصلاة والسلام- :(( ليغسل ماأصابه منها)) ، فأمر الرجل أن يغسل ما أصاب عضوه من المرأة ، فدل على أن رطوبة فرج المرأة وما يكون منه من السائل أنه نجس ، وبناءً على ذلك يفصل فيه : فإن كانت الرطوبة يمكن غسلها وإنقاء الموضع منها دون وجود حرج ، ولاعنت ولامشقة ، فحينئذٍ لاإشكال ، وأما إذا بلغت مقام المشقة وأصبحت مسترسلة كالنـزيف الذي يكون في الاستحاضة فإنها آخذة حكم سلس البول والاستحاضات فحينئذٍ تتوضأ لدخول وقت كل صلاة ، وتشد الموضع أو تضع القطنة ، فإن خرج الخارج لم يؤثر ، والله تعالى أعلم .
السؤال السابع:
اجتمعن نسوة يوم العيد في مكان لايراهن الرجال ولا يسمع كلامهن في المسجد فأمَّت بهن أقرؤهن لكتاب الله - جل وعلا - كما هو منصوص عليه في إمامة النساء وبعد الانتهاء من الصلاة وعظتهن موعظة تليق بالوقت الزمني ولم تقف كما يقف الرجال في المنبر فهل هذا جائز..؟؟
الجواب:
الله المستعان كان المنبغي أن يسألوا قبل أن يفعلوا ، أما هذا الأمر لاأعرف له أصلاً ، على المرأة أن تتقي الله وأن تلزم الأصل الشرعي ، وأن تمضي إلى المصلى مع الرجال ، وأن تكون في جماعة المسلمين ؛ لأن النبي-
r- :(( ليشهدن الخيرودعوة المسلمين)) فجعلهن تبعاً ولم يجعل لهن أصلاً ولو كان للنساء أن يصلين بانفراد لخرج-r- إلى المصلى ، وأمر أم المؤمنين أو غيرهن من فقيهات الصحابة أن تصلي بالنساء في المسجد ، ولماذا يكلفهن الخروج إلى المسجد ، هذا لاأعرف له أصلاً وهو إلى البدعة أقرب منه إلى السنة ، والاستدلال بالعمومات دون معرفة لمنهج السلف واتباع أثر من مضى يعتبر أمراً فيه خطورة على الإنسان خاصةً إذا اجتهد من قبل نفسه ، وعلى هذا إمامة المرأة نفسها فيها خلاف معروف ، وهي محل شبهة إذا أمت النساء مثلها ، وإن كان فيها حديث أبي داود ، ونميل إلى ترجيح هذا القول ، لكن الأمر لايزال ظنياً لوجود الاحتمال فيه ، وعلى النساء أن يتقين الله-U- وأن يتركن مثل هذه الاجتهادات ، والآراء العجيبة الغريبة ، وأن يبقين على الأصل الذي كن عليه السلف الصالح ، وأن يتقين الله-U-وإن كنت أستحب دائماً أن النساء يتبعن أثر السلف الصالح من الصحابيات ومن بعدهن ، وألا يحدثن في دين الله مالم يكن عليه سلف هذه الأمة الصالح ، فقد يكون الشيء في ذاته مشروعاً ، قد يكون خلاف الأولى في بعض الأزمنة والأمكنة والأحوال ، ولذلك كانت أم المؤمنين-رضي الله عنها- تقول :"لو رأى النبي-r- ماأحدثه نساء اليوم لمنعهن"وهذا في عصر أم المومنين عائشة-رضي الله عنها- فكيف إذا قلنا لهن أن يجعلن لهن مسجداً ، الأمر يُسترسل فيه ، وحكمة الفتوى حتى ولوكان جائزاً أن يقفل هذا الباب ، لأنه قد يأتي زمان يتفرد النساء فيه عن الرجال ، وتصبح للنساء مواعظ خاصة بهن ، وللرجال مواعظ خاصة بهم ، وقد يؤدي الأمر إلى مالاتحمد عقباه ، من التركيز على بعض المسائل التي قد تكون مضرة ، وإن كان يقصد بظاهرها الإصلاح ، لكنها تؤول إلى شرٍ أعظم ، ولذلك أستحب أنهن يقتصرن على شهود جماعة المسلمين ، وألا يخرجن عن جماعة المسلمين ، ولو فتح هذا الباب لكان كل إنسان ممكن أن يأخذ جماعة ويصلي بهم العيد ويؤمهم ويأخذ بعموم قوله - عليه الصلاة والسلام-: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) فالذي أراه قفل هذا الباب ، ولاأرى لهن أن يعدن إلى مثل هذا ، وعليهن أن يتقين الله ، والله تعالى أعلم .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .