دروس زاد المستنقع

تابع كتاب العدد باب الاستبراء ( لم يراجع من قبل الشيخ )


تابع كتاب العدد باب الاستبراء ( لم يراجع من قبل الشيخ )






باب كتاب الأنحكة

P

قال المصنف-رحمه الله- : [ فصل : يلزم الإحداد مدة العدة ] :

الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين ، أما بعد :
فقد شرع المصنف-رحمه الله- في بيان أحكام الإحداد ، والإحداد هو عدة المرأة التي توفي عنها زوجها فهي عدة تختص بالوفاة وتختص بنوع من النساء .
وأصل الحد المنع ، ومنه سمي البابل حداداً لأنه يمنع الغير من الدخول والإحداد يمنع المرأة من الزينة ومما ينبغي على المحتدة أن تجتنبه كالطيب والحلي ومحاسن الثياب ، والخروج من البيت - على تفصيل سيأتي إن شاء الله بيانه - .
وهذا الإحداد ثبت بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على مشروعيته ؛ وذلك أن الله-
I- قال في كتابه : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } فهذه الآية الكريمة أصل عند العلماء-رحمهم الله- في ثبوت الإحداد وعدة الوفاة على المرأة التي توفي عنها زوجها ، وهي خبر بمعنى الإنشاء كما سيأتي أي أنها تضمنت الدلالة على وجوب الإحداد ولزومه .
وأما سنة النبي-
r- فأحاديث كثيرة منها حديث أم المؤمنين أم حبيبة-رضي الله عنها وعن أبيها- أنها لما توفي أبوها أبو سفيان-t وأرضاه- أخذت طيباً فطيبت جارية عندها ثم مست من ذلك الطيب وقالت : والله ما لي بالطيب من حاجة ولكني سمعت رسول الله-r- يقول : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشراً )) فهذا الحديث المتفق عليه أصل عند العلماء-رحمهم الله- في مشروعية الحداد ، هناك أحاديث أخر تتضمن الدلالة على مشروعيته كحديث أم سلمة أيضاً في الصحيحين ، وحديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية-رضي الله عنها- في الصحيحين أيضاً في قصتها مع سعد بن خولة-t وأرضاه- حينما توفي فدخل عليها خالها أبو السنابل بن بعكك -رضي الله عنها وعنه- ، فالأحاديث في مشروعية الحداد كثيرة .
ولذلك أجمع العلماء-رحمهم الله- على أن الحداد مشروع وأنه مشروع بهذه السنة على التفصيل الذي سنبينه ومرادهم الحداد الأعلى وهو أن تحد أربعة أشهر وعشراً ، وأما الإحداد ثلاثة أيام فيجوز للمرأة إذا توفي أبوها أو أخوها أو قريبها أن تحد ؛ لأن أم حبيبة احتدت على أبيها أبي سفيان وامتنعت من مس الطيب إلا بعد تمام الثلاثة الأيام .
وأما بالنسبة للإجماع فقد أجمع العلماء-رحمهم الله- على أنه يشرع للمرأة أن تحد على الميت أربعة أشهر وعشراً وهي المدة التي سمى الله-
U- في كتابه وبينها رسول الله-r- فيما صح من سنته .
مناسبة الإحداد لعدة الطلاق واضحة لأنه بعد أن فرغ-رحمه الله- من بيان عدة الطلاق شرع في بيان عدة الوفاة فيجتمع الحـداد مع عدة الطلاق في كون كلٍ منهما عدة ، الأولى من العدتين بسبب الطلاق والفراق في حال الحياة ، والثانية : متعلقة بالفراق الذي لا اختيار فيه وهو فراق الموت .
شرع الله-جل وعلا- هذا النوع من العدة لحكم عظيمة وأسرار كريمة تنتظم مصالح الدين والدنيا والآخرة فالمرأة إذا فقدت بعلها وفارقت زوجها وبقيت في بيت الزوجية هذه المدة التي سمى الله-جل وعلا- تذكرت حق بعلها عليها ، فإن كان قد أحسن إليها كان ذلك أدعى أن تترحم عليه وأن تحفظ وده ، وأن تحفظ ما بينها وبينه من العهد فتذكره بصالح الدعوات وتسأل الله-جل وعلا- أن يسبغ عليه شآبيب الرحمات وفي ذلك من الأجر العظيم والثواب الكريم لها ولبعلها ما لا يخفى .
كذلك - أيضاً - فيه حفظ لحق المسلم الميت فليست أمة الإسلام أمة ضعيفة تنتهي أواصرها ومحبتها وأُخوتها ووشائجها بالموت والفراق كما يحدث لأهل الدنيا ، فشرع الله-جل وعلا- هذا الحداد فربط بين المسلمين أن يذكروا حق الميت المسلم ، ومن هنا عُظم حق الزوجية حتى إن الزوج إذا فاق زوجة لا ينسى الحق الذي له مباشرة فلو تصورنا أن المرأة بعد وفاة زوجها تنكح في اليوم الثاني أو تنكح بعده بيسير لتناسى الناس حقوق أمواتهم ، ثم انظر إلى الوسطية فلم يجعل الإسلام هذا الحداد حزناً دائماً ولم يجعله منقطعاً مخالفاً للفطرة ولكن جاء بالوسط العدل الذي لا إفرط فيه ولا تفريط ، وكان أهل الجاهلية يمكثون عاماً كاملاً فإذا توفي الرجل عن امرأته دخلت المرأة في مكان وهو الحش الصغير أشبه بالصندقة أو أضيق مكان في البيت تدخل فيه ثم تمتنع من جميع ما أحل الله-
U- إلا أكلها فتبقى في تفثها وشعرها وسوء حالها بالحالة المزرية ، لا تغتسل ولا تمس الطيب وبأبشع الأحوال وأشدها حتى تتم سنة كاملة ، ثم بعد ذلك تفتض ببعرة كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله-r- في قوله : (( وقد كانت إحداكن تجلس حولاً كاملاً في حشها حتى يبلغ الكتاب أجله ثم تفتض ببعرة )) فخفف الله-I- ويسر فأحل لها الطيبات ؛ ولكن منعها من الزينة ومنعها من الحلي ومنعها من التجمل في جسدها وفي ثيابها فأبقى حق الزوج .
وكذلك - أيضاً - لم يضيق على الزوجة مع أنها تثاب وتؤجر على هذا الامتناع والطاعة لله-
U- ورسوله-عليه الصلاة والسلام- بامتثال الأمر بالإحداد واجتناب ما نُهيت المرأة المحتدة ، فالمقصود أن الحداد فيه حكم عظيمة وأسرار كريمة .
كذلك - أيضاً - لا يسع المؤمن إلا أن يُسَلِّم إذا أمره الله-
U- ورسوله فالمدة التي سماها الله-U- أربعة أشهر وعشراً قال بعض العلماء : إن الجنين لو كانت حاملاً يتبين حالها خلال هذه المدة الأربعة أشهر والعشر قالوا : لأنه يجمع خلق الإنسان أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضعة مثل ذلك ثم يرسل الملك فيؤمر بنفخ الروح وكتابة أجله ورزقه وشقي هو أو سعيد كما في حديث ابن مسعود في الصحيح ، فقالوا : إن هذا النفخ يقع في العشرة الأيام التي تلي الأربعة الأشهر فإن الأربعة الأشهر كما ذكر النبي-r- مائة وعشرون يوماً وهي تمام ما سماها رسول الله-r- في الأربعين ثم الأربعين ثم الأربعين ثم تأتي العشر ذكر هذا بعض أهل العلم -رحمة الله عليهم- ولكن مع هذا الله يأمر ويحكم ورسوله-r- يبلغ وما علينا إلا الرضا والتسليم .
[ يلزم الإحداد ] : هذه العبارة تدل على مشروعية الحداد أولاً ، والحداد المشروع هو الحداد عن المرأة المتوفى عنها زوجها ، وأما محدثات الجاهلية في الإحداد مما يحدثه الناس سواء كان ذلك على مستوى الأمم والشعوب والجماعات فهذا مما لا أصل له في دين الله ولا في شرع الله-
U- ، فليس هناك حداد إلا الحداد الذي سمى الله ورسوله-r- فلا يشرع حداد غير هذا الحداد الذي ورد النص به في كتاب الله وسنة رسول الله-r- .
ثم إن الحداد يكون للنساء ولا يكون بين أفراد الرجال ولا تعطل مصالح الميت فهذا كله مما أحدثه الناس من خلاف شرع الله-
U- ولا يمكن أن يعد ذلك من دين الله في شيء ؛ لأنه لم يثبت به شرع ولم يثبت به نص في كتاب الله وسنة النبي-r- خاصةً إذا أصبح أمراً ظاهراً فإن الواجب تبيين حكمه إعذاراً إلى الله-I- فهذا مما أحدثه الناس ومما لا أصل له في دين الله وشرعه .
الحداد يشرع للمرأة إذا كان قد توفي عنها زوجها ، أو توفي لها قريبها إذا كانت مدة الحداد المدة التي ذكرناها التي هي الثلاثة الأيام .
قوله : [ يلزم ] : يدل على مشروعية الحداد كما ذكرنا .
وثانياً : أن هذه المشروعية على سبيل اللزوم والوجوب ، فالمرأة يجب عليها الحداد وهذا إجماع السلف والخلف -رحمهم الله- خلافاً للحسن البصري والشعبي-رحمة الله عليهما- فهذان العالمان الجليلان قالا بعدم وجوب الإحداد ، والصحيح ما ذهب إليه أئمة السلف ودواوين العلم ، ولعل الإمام البصري والشعبي لم يبلغهما ما ورد صريحاً في السنة من الأمر بالحداد فقد يكونا قد قالا بمشروعيته لظاهر القرآن { يَتَرَبَّصْنَ } دون أن يفهما منه اللزوم ؛ ولكن السنة أمرت وألزمت بالحداد وأوجبته فالواجب العمل بهذه السنة الثابتة عن رسول الله-
r- .
كذلك - أيضاً - في قوله : [ يلزم الحداد ] : الحداد هو اجتناب المرأة التي توفي عنها زوجها الطيب وزينة اللباس وما في حكمهما مدة معلومة ، وبناءً على ذلك فحقيقته الشرعية اجتناب مخصوص وهو اجتناب الطيب ومحاسن الثياب والحلي والزينة في البدن وفي الملبس .
من شخص مخصوص والمراد به المرأة التي توفي عنها زوجها ، فلا يشمل غيرها - كما سيأتي إن شاء الله - .
مدة مخصوصة وهي أربعة أشهر وعشراً على ما بينته السنة ، إلا إذا كانت حاملاً فالمدة هي إلى وضع الحمل فلو أنها بعد وفاة زوجها بدقيقة واحدة وضعت حملها خرجت من عدتها وذلك لصريح حديث سبيعة بنت الحارث -رضي الله عنها- أنها توفي عنها سعـد بن خوله بمكة-
t وأرضاه- فمكثت بعده قيل : عشرة أيام وقيل : ثمانية أيام ، وقيل : غير ذلك . فوضعت ما في بطنها فتجملت وتزينت فدخل عليها خالها وقال لها : لا والله ما أنت بحل للأزواج حتى يبلغ الكتاب أجله ، فقالت : جمعت عليَّ ثيابي فأتيت رسول الله-r- فأخبرته فأخبرني أني قد حللت منذ أن وضعت ما في بطني ، فهذا نص واضح يدل على أن مدة الحداد تكون أربعة أشهر وعشراً على الأصل بنص كتاب الله { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } ونص السنة في حديث أم حبيبة (( إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً )) ، وكذلك حديث أم سلمة في الصحيحين (( تحد المرأة على ميت أربعة أشهر وعـشراً )) فهذا يدل على أنها المدة إما أربعة أشهر وعشراً على الأصل ، أو إلى وضع الحمل ولو طالت مدته على حديث سبيعة بنت الحارث-رضي الله عنها وأرضاها- .
[ يلزم الإحداد مدة العدة كل متوفى زوجها عنها ] : مدة العدة ، العدة عنها عدة الوفاة وهي كما ذكرنا أربعة أشهر وعشراً ، أو مدة وضع الحمل ؛ لكن هناك من العلماء من يرى الحداد للمطلقة طلاقاً بائناً ويرى عليها الحداد مدة العدة من طلاقها .
والصحيح أن الحداد يختص بعدة الوفاة فقط ودليلنا على هذا ما ثبت في السنة الصحيحة عن النبي-
r- أنه قال : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحد على ميت فوق ثلاث - وفي لفظ آخر - فوق ثلاثة أيام إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً )) فقوله : (( إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً )) وقد قال : (( لا يحل )) فدل على أن الحداد لا يجوز إلا في عدة الوفاة فقط فاجتهاد بعض العلماء بأن المطلقة طلاقاً بائناً تقاس على المعتدة عدة الوفاة ضعيف ؛ لأن النبيفدل على اختصاص الحكم بعدة الوفاة وهو الصحيح - إن شاء -r- نهى المرأة أن تفعل هذا الفعل إلا في عدة الوفاة الله تعالى - .
[ كل متوفى زوجها عنها ] : أي كل امرأة توفي عنها زوجها ، وبناءً على ذلك بالإجماع الرجل لا يحتد ويختص الحداد بالنساء كما ذكرنا .
كذلك - أيضاً - [ كل متوفى ] يشمل الصغيرة والكبيرة ، وبناءً على ذلك لو كانت صغيرة التي توفي عنها زوجها عقد رجل على بنت عمرها مثلاً تسع سنوات ولم تحض بعد ، ثم توفي عنها فإنها تلزمها عدة الوفاة لحديث معقل بن سنان الأشجعي-
t وأرضاه- في قصته مع عبدالله بن مسعود-رضي الله عن الجميع- فقد ذكر قضاء النبي-r- في عدة الوفاة للمرأة المعقود عليها .
إذا ثبت هذا فالمرأة الصغيرة تعتد عدة الوفاة ودليلنا على ذلك عموم قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً )) والمرأة الصغيرة داخلة في هذا الأصل .
كذلك - أيضاً - من الأدلة ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي-
r- وهو حديث أم سلمة-رضي الله عنها- أن امرأة أتت إلى رسول الله-r- والحديث في الصحيحين قالت : - يا رسول الله - إن ابنتي توفي عنها زوجها وهي تشتكي عينيها أفنكحلهما ؟ قال : (( لا .. لا )) مرتين أو ثلاثاً .
وجه الدلالة : أن النبي-
r- لم يسألها هل بنتها بلغت أو لم تبلغ " وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينـزل منـزلة العموم في المقال " ، خاصةً وأن الشأن أن المرأة إذا سألت وتقول إن ابنتي الغالب أن تكون ابنتها دون البلوغ ؛ لأنها لو كانت كبيرة لأتت البنت بنفسها وسألت رسول الله-r- في الغالب ؛ لكن هذا الحديث أصل في أن الحداد في الصغيرة والكبيرة وهذا مذهب جمهور العلماء ، ولذلك هو حق فيه معنى الحق للزوج والصغيرة لزوجها عليها حق .
ثانياً : أنها هي ترث منه أي ترث من الزوج والأصل حديث معقل وعدة الوفاة في الأصل مرتبطة بالإرث فقوله كل امرأة يدل على أن المرأة إذا كانت صغيرة تلزم بعدة الوفاة ، من الذي يأمرها بعدة الوفاة ويراقبها ؟ وليها يقوم وليها عليها ويجنبها ما تجتنبه المحتدة مثل الصغير إذا حج أو اعتمر يقوم وليه بمنعه من محظورات الإحرام .
كذلك - أيضاً - في قوله : [ كل ] : عموم لأن الكل مـن ألفاظ العموم فشمل هذا اللفظ المرأة المسلمة والكتابية ؛ لأن المسلم يحل له نكاح الكتابية اليهودية والنصرانيه بشرط أن تكون حرة ، ولا يجوز له أن ينكح بالعقد إماء أهل الكتاب وهو مذهب جمهور العلماء-رحمهم الله- ؛ لأن الله-تعالى- يقول : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } فجعل الرقيقة التي تنكح اشترط فيها عدم الطول ، واشترط فيها خوف الزنا واشترط أن تكون من فتيات المؤمنات فدل على أن الكتابية لا يجوز نكاحها على أنها أمة .
فإذاً المسلم لا يموت إلا عن زوجة مسلمة أو كتابية التي هي يهودية أو نصرانية ، فإذا توفي عن امرأة يهوديه أو نصرانية عقد عليها فإنها يلزمها الحداد واختلف العلماء في هذه المسألة :
فمنهم من قال : اليهودية والنصرانية لا يلزمها الحداد إذا توفي زوجها المسلم .
واستدلوا بقوله-عليه الصلاة والسلام- : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر )) وأجيب بأن هذا الحديث خرج مخرج الغالب وقد قال الله-تعالى- : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ } فعمم الله-
U- في كل مسلم ترك وراءه زوجة أن تحد عليه ، وبناءً على ذلك هذا النص القرآني العام أصل ، ويجاب على هذا الحديث بأنه خرج مخرج الغالب .
وهناك جواب من وجه ثانٍ : وهو أن الكتابية تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر فهي تؤمن أن الله موجود وإن كانت تشرك بالله حينها فاليهود يقولون : عزيز ابن الله والنصارى يقولون : إن المسيح ابن الله ؛ لكن هم يؤمنون أن الله موجود بخلاف-والعياذ بالله- الذي لا دين له ، وبخلاف الملحد وبخلاف الوثني ففي الأصل عندها إيمان بالله وأيضاً عند أهل الكتاب إيمان باليوم الآخر وهذا جواب طائفة من جمهور العلماء-رحمهم الله- عن هذا الحديث أن أهل الكتاب من حيث الأصل عندهم دين وإن كان دينهم فيه تحريف ، ولذلك فرق الله بين الكتابي وغير الكتابي وقد كانوا يفعلون الشرك على عهد النبي-
r- وأخبر الله أنهم قالوا { عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } وأنهم قالوا { الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } وقالوا { إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } ومع ذلك وصفهم بأنهم أهل كتاب وهذا يدل على أن الأصول العامة من كونهم يؤمنون بأن هناك إلهاً ويؤمنون بأن هناك رجعة بعد الموت ، بخلاف الدهريين والمشركين الذين لا يؤمنون بهذا والوثنيين أعطوا حكماً خاصاً ، ولذلك الكتابية إذا نكحها المسلم حل نكاحها لأنها أقرب ويمكن جذبها إلى الإسلام ، ولذلك حل نكاح الرجل لنساء الكتاب ولم يحل نكاح رجالهم لنساء المؤمنين حتى لا يكون سبباً في إغواء نساء المؤمنين ، وأن المقصود أن هناك قواسم يمكن أن تكون سبباً في هدايتهم كما بينا هذا في كتاب النكاح ، فالمرأة الكتابية إذا توفي عنها زوجها المسلم يلزمها الحداد على الصحيح من أقوال العلماء لظاهر آية الإحداد ، والحديث مجاب عنه بخروجه مخرج الغالب بالمخاطبة ، وعلى كل حال عبر المصنف-رحمه الله- بهذا العموم لكي يبين لزوم الحداد للجميع .
[ في نكاح صحيح ولو ذمية ] : في نكاح صحيح فلا يلزم الحداد إلا إذا وجد النكاح الصحيح والدليل قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( إلا على زوجٍ )) والوصف بالزوجية مقترن بالوصف الشرعي فكل من وصف شرعاً بأنه زوج وتوفي شُرع الحداد عليه ، والزوج الذي يوصف بكونه زوجاً شرعياً لا يمكن أن يوصف إلا بعقدٍ صحيح وهو العقد الذي توفرت فيه شروط صحته مما تقدم معنا في كتاب النكاح ألا يكون هناك مانع يمنع من نكاح المرأة وأن يكون هذا العقد بولي وشاهدين عدلين ، ومهر ، وإيجاب وقبول صادرين من المعتبر .
إذا ثبت هذا فإنه حينئذٍ إذا وقع العقد صحيحاً وبعد العقد ولو بلحظة توفي عنها زوجها لزمها الحداد ؛ لأن الله يقول : { وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً } وهي زوجة بمجرد صحة العقد ، أما إذا كان النكاح فاسداً أو كان وطء زنا-والعياذ بالله- فهذا لا حداد فيه ؛ لأن النكاح الفاسد لا تترتب عليه الآثار الشرعية فوجوده وعدمه على حد سواء ، وكذلك إذا كان وطء شبهة فإنه لا تلزم فيه ، فلو أنه نكح نكاح متعة فإن المرأة إذا نكحها نكاح متعة فإنه نكاح فاسد وإذا توفي عنها بعد هذه المتعة لا نقول بوجوب الحداد عليها لأنه نكاح فاسد .
[ أو أمة غير مكلفة ] : غير المكلف يشمل المجنونة فإن المجنونة لا يلزمها حداد ، وأجمع العلماء-رحمهم الله- على أنها لا تخاطب ولا تلزم بالحداد ؛ لأن التكليف لا يناط بها قال-
r- كما في الحديث الصحيح : (( رفع القلم عن ثلاثه وذكر منهم المجنون حتى يفيق )) ويشمل هذ الرجال والنساء فإذا كانت مجنونة فإنها لا يلزمها الحداد .
[ ويباح لبائن من حي ] : ويباح الحداد من بائنٍ أي يجوز أن يكون الحداد من امرأة طلقها زوجها طلاقاً بائناً وهي الطلقة الثالثة والأخيرة فإنه في هذه الحالة إذا طلقها تمتنع من الطيب وتمتنع من الخروج من البيت يلزمونها بالحداد كالمعتدة من الوفاة وهذا عند من يقول بوجوبه ، وأما المصنف فقال : [ يباح ] أي أنه لا يجب عليها وهذا هو الصحيح وهو مذهب الجمهور ؛ ولكن لو أنها امتنعت من هذه الأشياء قالوا : يباح .
وقال بعض العلماء : لا يباح ؛ لأن النبي-
r- قال : (( لا يحل )) وهذا نص واضح (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله اليوم والآخر )) وهذا هو الصحيح فإن السنة حجة في هذا الأمر على أن الحداد خاص بمن سمى الله ورسوله-r- لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه ، فالقياس هنا يقدح فيه بقادح وهو قادح فساد الاعتبار ، وفساد الاعتبار أن يكون القياس في مقابل النص من القرآن أو السنة أو في مقابل الإجماع فالنص واضح (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر )) فالمطلقة ثلاثاً إذا طلقت المرأة وكان طلاقها بائناً فإنها تدخل تحت هذا العموم بأنها لا يحل لها أن تحد على زوجها .
[ ولا يجب على رجعية ] : يعني لو أنه طلقها طلاقاً رجعياً فإنها لا تمتنع من الزينة ومن اللباس الطيب ، قال لا يجب عليها أنها تفعل الحداد ، والواقع أن الرجعية في الأصل الأفضل لها والأكمل أن تتجمل وأن تتزين لزوجها ؛ لأن هذا يدعوه إلى الرجوع والعدول عن فراقه لها والله-تعالى- أمرها أن تعتد في بيت الزوجية ؛ لأن هذا يعين على رجوع زوجها لها فالمطلقة الرجعية الشرع يقصد رجوع زوجها إليها ويحبب في ذلك ويرغب فيه كما قال -تعالى- : { لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } فجعله من اليسر والسماحة فلو قلنا للمطلقة الرجعية لا تلبس الثياب الجميلة ، ولا تتطيب وتفعل ما تفعل المحتدة ازداد زوجها نفرةً منها وحينئذٍ يقع خلاف مقصود الشرع ، ولذلك حُكي الإجماع على أن المطلقة طلاقاً رجعياً لا يلزمها حداد ؛ لأن ذلك مخالف لمقصود الشرع ومخالف للسنة وقصد رجوع الزوج إلى زوجته وتحبيبها إليه .
[ وموطوءة بشبهة ] : لو أن رجلاً وطئ امرأة بشبهة ثم توفي عنها فإنه لايلزمها أن تحد عليه لما قدمنا أن الله -تعالى- ورسوله-
r- خصا الحداد بالمرأة التي توفي عنها زوجها ، والموطؤة بشبهة والمرأة إذا كانت في نكاح فاسد كلتاهما لا ينطبق عليهما هذا الوصف الشرعي من كونهما زوجة على الوجه المعتبر شرعاً .
[ أو زنا ] : وهكذا لو كان زنا-والعياذ بالله- ، فالمرأة المزني بها لو توفي عنها الزاني فإنها لا تحد عليه .
[ أو في نكاح فاسد أو باطل ] : كما قدمنا في نكاح فاسد ككناح المتعة وهكذا لو حكم ببطلانه إذا كان النكاح باطلاً . وهل إذا كان بطلانه محل خلاف كمن يبطل النكاح بدون ولي أو بدون شاهدين ويشترط لصحته كما هو مذهب الجمهور كما قدمنا إن كان فيه تأويل قدمنا هذهالمسألة وبينا ما يترتب عليه من آثار ، وأما إذا لم يكن فيه تأويل فالذي عليه العمل أنه يفتي بما ظهر له فيحكم ببطلانه على الظاهر ؛ لأنه يعتقد هذا ويلزم به .
[ أو مِلك يمين ] : وهكذا لو أنه تسرى جارية من جواريه عنده أمة فوطئها ثم توفي عنها لا نقول لإمائه يلزمكن الحداد ؛ لأن الحداد مختص بالزوجات والإماء لسن بأزواج قال-تعالى- : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ
@ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } فجعل مِلك اليمين غير الزوجة فدل على أن ملك اليمين لا ينطبق عليها ما ينطبق على الزوجة وقد قال هناك : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً } فخص الحداد بالزوجات وملك اليمين ليست بزوجة ، ولذلك لا يتعلق الحداد بالنسبة للإماء .
[ والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها ] : [ اجتناب ] يعني ترك [ ما يدعو ] يعني يغري . هذه الجملة قصد المصنف-رحمه الله- أن يبين فيها حقيقة الحداد بعد أن بين من هي المرأة التي يلزمها الحداد .
ورد السؤال : كيف يكون الحداد وهذا من التسلسل والترتيب المنطقي أنك تبدأ أول شيء بالشخص الذي يتعلق به الحكم ثم تبين ما هو الحكم . وبعض العلماء في بعض المسائل يبدأ بحقيقة الأمر ثم يبين بمن يتعلق وكلاهما مسلك صحيح ؛ لكن هذا يختلف بحسب اختلاف الأبواب والمسائل .
أما بالنسبة لقوله-رحمه الله- والإحداد أي حقيقة الحداد أن يجتنب ما يدعو ويغري بالمرأة يشمل هذا زينتها في جسدها كالطيب ووضع الحناء ودهن الشعر بالأدهان المطيبة والاكتحال ، وهكذا لو وضعت الحناء في بعض الأعضاء دون بعضها الحكم عام سواءً كان لبعض الأعضاء أو لكل الأعضاء من التجمل العام ، مثل ما هو موجود في زماننا الشامبو ونحوها الذي ممكن أن تغتسل به طيباً لكل البدن ، أو كان لبعض البدن فالحكم في هذا كله أنه يجب اجتنابه ؛ لأن النبي-
r- أمر المرأة المحتدة أن تتقي الطيب وأن تتقي الحلي وأن تتقي الثياب الجميلة من المعصفر والمزعفر ، وكذلك أيضاً تتقي الخروج من المنـزل فهذان الأمران :
أحدهما : يتعلق بالمرأة وبشرتها وهيئتها .
والثاني : يتعلق بالمسكن ولزومه .
فبين-رحمه الله- أن الأصل يقتضي أن المرأة تلزم بترك ما يدعو ويُرَغِّب في نكاحها وهذا الذي يدعو ويرغب في نكاحها يعبر عنه بـ ( الزينة ) والزينة هي الجمال والحسن وما يتزين به هو الشيء الذي يزيد من جمال الإنسان وحسنه وبهائه ، وهذا الشيء ربطه بعض العلماء بقاعدة وهي الرجوع إلى العرف فكل ما عده العرف زينة يغري بالمرأة ويحبب فيها فإنه يدخل في هذا الأصل الموجب للمنع ، يعني أن كل ما يحبب ننظر في كل بيئة وفي كل مكان وعرفٍ ماذا يعدون الزينة ؟ فإذا كان هذا الذي تضعه وهذا الذي تلبسه وهذا الذي تريد أن تتجمل به يعد في العرف زينة فإنه يحكم بعدم جواز تعاطيها له سواءً تعلق باللباس أو تعلق بالجسد فالكل حكمه واحد أنه ينبغي اجتنابه .
[ والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ] : ما يدعو إلى جماعها يعني يرغب في المرأة لأن المحاسن والتجمل والتحسن والزينة تدعو إلى جماع المرأة ويرغب في المرأة ، يشمل هذا زينتها في عينيها كالكحل ، وزينتها في وجهها كتحمير الخدين كما ذكر العلماء-رحمهم الله- تصفير الوجه في بعض الأحيان ، وكذلك زينتها في شعرها مثل وضع الطيب في الشعر أو ما يوجد الآن من الصابون المطيب في الشعر وفي الجسد ، وكذلك أيضاً ما يدعو إلى جماعها ويرغب فيها مثل الحناء أن تُحَنّي يديها وتحني رجليها فهذا يغري بالمرأة ، جمال متعلق بعضو خاص فكما أنها منعت من الحلي وهي زينة لبعض الأعضاء كالخاتم للأصابع والحلي في الصدر كالقلادة ، والحلي في الأذن كالأقراط والفتخات ونحو ذلك مما يكون من الخلخال في القدمين كل هذا تتقيه المرأة لأنه يرغب فيها وتشوف الرجال إليها إذا كانت متجملة قال-تعالى- : { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } فجعل الحلية تزيد من زينة المرأة وجمالها .
[ ويرغب في النظر إليها ] : كما ذكرنا سواءً كان ذلك في وجهها أو بدنها أو ثيابها ، الثياب الجميلة مثل الثياب الصفراء اللامعة البراقة البيضاء البراقة الجميلة ، أو ذات الخطوط المزركشة والمنقوشة بالنقش الذي يغري ويحبب ويجذب الأنظار هذا النوع كله تتقيه المرأة وتجتنبه ، كذلك الثياب المطيبة ؛ لأن النبي-
r- نهى المرأة عن المعصفر ، كذلك - أيضاً - ما هو موجـود في زماننا من وضع بعض التايد أو بعض الأصباغ التي فيها طيب تتقيها ؛ لأن النبي-r- نهى عن المعصفر والمزعفر فالمعصفر الثياب التي يوضع فيها العصفر وهو نبت باليمن كان طيب الرائحة إذا وُضع في الثوب كان جمالاً للثوب وزينة له ، وأيضاً طيباً له فإذا غُسل به بدت رائحته زكية فهو يجذب عن نوع من أنواع الأطياب ونوع من أنواع الزينة للثوب فهو يجمع بين طيب اللون وطيب الرائحة .
[ من الزينة ] : بياناً أي على شريطة أن يكون زينة ، أما إذا كان لا يتزين به ولايزيد في الزينة فلا يؤثر .
[ كما والطيب ] : لأن النبي-
r- نهى أن تطيب المحتدة قال : (( ولا تمس طيباً إلا نبذة من قسط أو أظفار عند طهرها )) في الصحيحين من حديث أم سلمةوهذه -رضي الله عنها- ، وقوله : (( ولا تمس طيباً )) نهي والنهي يدل على التحريم العبارة استخدمت في الحج قال والطيب : (( ولا تمسوه بطيب )) فدل على أنه محظور على المرأة المحتدة أن تمس الطيب ، سمي طيباً لطيب رائحته ، وقيل أنواع : لأن النفوس تطيب بشـمه فتجد الإنسان يستطيب شمه ، ويشمل الطيب جميع الطيب سواءً كانت من الأدهان أو كانت من المشمومات كالبخور ونحوه ، وقد أخذت أم حبيبة-رضي الله عنها- الطيب بعد ثالث يوم من حدادها على أبيها وبينت قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة ولكني سمعت رسول الله-r- يقول .. ، فدل على الأصل أنها ما تمس الطيب وأنه لا يجوز للمرأة المحتدة أن تمس الطيب وهذا بإجماع العلماء-رحمهم الله- .
إذا قيل إن الأصل أنها لا تمس الطيب فهذا يشمل أن تتطيب أو تتعاطى الأسباب لشم الطيب كأن تشم الطيب في غيرها فتتشوف لشمه فهذا نوع من الارتفاق ونوع من الترفه ، ولذلك قال بعض العلماء : أن تشم من الغير لأنها ممنوعة من شم الطيب ، والصحيح أن المحظور عليها الوضع ، وأما الشم فقال بعض العلماء : أنه لا بأس به في شمها من الغير ؛ لأن النبي-
r- قال : (( ولا تمس طيباً )) فجعل الحكم متعلقاً بالتطيب لا بشم الطيب ، وبناءً على ذلك قالوا : أنه يجوز هذا بعض العلماء-رحمهم الله- يقولون إن الصحيح أنه يجوز لها أن تضع الطيب .
لكن أجيب عن هذا بأن قوله-عليه الصلاة والسلام- : (( ولا تمسوه بطيب )) أجمع العلماء على أن المحرم لا يجوز له أن يشم ولا أن يضع ، ولذلك قالوا : إن الأصل أن تتقي المرأة اشتمامه فلا تتطيب بشمه ارتفاقاً ولا تضعه في بدنها ، كذلك - أيضاً - الأدهان مثل الزيوت أو ما يعرف في زماننا بالشامبو الذي يوضع في الرأس للشعر فإذا كان فيه طيب فإنها لا تضعه لأن النبي-
r- قال : (( لا تمس طيباً )) وإذا وضعت هذا النوع من الطيب في شعرها فقد مست الطيب ، وكذلك - أيضاً - بالنسبة للضرورة قال بعض العلماء : حتى ولو اضطرت لكسب معيشتها كأن تكون تبيع الطيب قالوا : إنها تتقي بيعه والتعامل به حال حدادها ؛ لأن النبي-r- نهاها فإذا نُهيت عن مسه كذلك تنهى عن الأسباب التي تؤدي إلى المس لأنها إذا باعت لابد وأن تكون في محلها تتعاطى هذا الطيب وترتفق به .
[ والتحسين ] : التحسين التجميل الشيء الحسن هو الجميل أي لا تحسن شارتها وهيئتها ودلها في بدنها وثيابها لا تحسـن هذه الأشياء ، فلا تلبس الثياب الجميلة ولا تلبس الثياب المزركشة التي عليها النقوش والتي تعد زينة للابسها ، ولا أيضاً تتزين في نفسها بوضع الحناء كما ذكرنا أو بوضع ما يصفر الوجه أو يحمر الوجه ونحو ذلك من الأصباغ ، ولذلك لما سُئل-عليه الصلاة والسلام- عن وضع الصبر في عين المحتدة منع-عليه الصلاة والسلام- من ذلك ، ومنع أم سلمة-رضي الله عنها- من ذلك وهذا يدل على أنه لا يجوز أن تحسن نفسها ولا أن تحسن أعضاءها ولا تتجمل .
[ والحناء ] : كذلك الحناء وهي معروفة فلا يجوز للمرأة المحتدة أن تضع الحناء لأنها نوع من الزينة ونوع من الجمال سواءً كانت في بعض الأعضاء أو أكثر الأعضاء .
[ وما صُبغ للزينة ] : الأصباغ التي توضع في البدن للزينة فإنه لا يجوز للمرأة المعتدة أن تضعها ؛ لأن النبي-
r- نهاها عن جليل الثياب ، ونهاها عن الطيب ، ونهاها عن الحلي لمعنىً يُفهم من مجموع هذا المعنى ألا تتجمل وألا تفعل ما يدعو إلى نكاحها ويرغب فيها .
[ وحلي ] : وهذا نص حديثه-عليه الصلاة والسلام- : (( ولا الحلي )) فنهى-عليه الصلاة والسلام- عن لبس الحلي ، وجمهور العلماء على أنها لا تلبس الحلي لا في رأسها كأن تضع على رأسها ما يمسك الشعر من الذهب أو نحوه أو الفضة ، كذلك - أيضاً - لا تضع في أذنيها الأقراط ، ولاتضع في رقبتها القلائد ، كذلك - أيضاً - لا تضع في يدها الأسورة ولا الخواتيم ، ولا الدمرج في أسافل بدنها ، ولا بقية الحلي كأسورة الرجلين فهذه كلها يحظر على المرأة المحتدة أن تتجمل به .
إلا أن بعض العلماء اجتهد وقال : يجوز لها أن تلبس الخواتم إذا كانت من الفضة واختاره بعض العلماء واختلفوا في هذا الاستثناء :
قالوا : لأن الفضة في الغالب زينة الرجال وليست بزينة النساء فهي إذا وضعت الفضة ليست بمتجملة ولكن هذا ضعيف ؛ لأن النبي-
r- نص وقال : (( ولا الحلي )) فهذا نص يدل على أنه لايجوز لها أن تلبس الحلي والفضة من الحلي ، ولذلك لا يجوز لها أن تلبس كل ما يصدق عليه أنه حلي سواءً كان ذهباً أو فضةً أو ألماساً أو جواهراً آخر كل ذلك تتقيه المرأة وتجتنبه .
[ وكحل أسود ] : لأن النبي-
r- كما في الصحيحين من حديث أم سلمة-رضي الله عنها وأرضاها- ثبت عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه منع أن تكتحل المرأة المحتدة وقد اشتكت إليه أنها تشتكي عينها قالوا : إن وضع الكحل يزيد من جمال العين وهو زينة من الزينات ؛ لكن رخص في وضعه في الليل ومسحه في النهار عند وجود الضرر وقيل إن هذا خاص بالصبر أنه تضمد به إذا كان بالليل دون النهار .
[ لا توتيا ونحوها ] : لا استثناء وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ .
[ ونحوها ] : استدراك .
[ ولا نقاب ] : يعني لا يحظر عليها النقاب .
[ وأبيض ] : ولا يحظر عليها لبس الأبيض وقال بعض العلماء : بمنع الأبيض والثياب الصفراء الجميلة ؛ والسبب في ذلك أن النبي-
r- نهى المرأة المحتدة أن تلبـس المعصفر وقالوا : إن هذا أصل في المنع من الثياب البراقة والجميلة ، الأصل عند العلماء أن الثياب الجميلة والبراقة تُمنع منها المرأة هذا أصل عندهم أن الثياب الجميلة والبراقة والمنقوشه نقشاً يلفت النظر ويجمل المرأة ويزيد من زينتها وحسنها لا يجوز لها أن تلبسها هذا في الحداد ؛ لكن الأبيض خفف فيه بعض العلماء كما أشار المصنف-رحمه الله- وبعض العلماء قال : إنها تتقي الأبيض لأنه يزيد من الجمال وهو من خير الثياب ؛ لكن من حيث الأصل العام أن الثياب البراقة والبيضاء الجميلة لا شك أنها تلفت النظر حتى قال بعض العلماء : مثل الحرير أن تكون أبيض من الحرير أي أنها تكون أبيض لكن فيها نوع من الزينة ، أما إذا كانت بيضاء خالصة فاختار المصنف-رحمه الله- الجواز ، وبعض العلماء منع من الثياب البراقة كالصفراء والبيضاء الجميلة التي تكون خامتها ملساء جميلة تلفت النظر فإنه لا تلبسه المحتدة لما فيه من الزينة والجمال .
[ فصل : وتجب عدة الوفاة في المنـزل حيث وجبت ] : وتجب عدة الوفاة على المرأة المحتدة في المنـزل هذا مما يجب على المرأة المحتدة أن تلزمه وهو البيت ، ولذلك قال-تعالى- : { مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } فأمر المحتدة في عدة الوفاة أن لا تخرج من بيت الزوجية وقد نسخت هذه الآية بالنسبة للمدة ولم تنسخ بالنسبة لحكم عدم الخروج ؛ ولأن النبي-
r- قال لفريعة بنت مالك بن سنان-رضي الله عنها- لما توفي عنها زوجها : (( امكثي في بيت زوجك الذي جاءك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله )) فأمرها بلزوم البيت وأنها لا تخرج ، ولذلك أجاز النبي-r- للمرأة أن تخرج من حاجة ، أما إذا لم توجد حاجة فإنه لا يجوز لها الخروج في حال الحداد .
[ فإن تحولت خوفاً أو قهراً أو بحقٍ انتقلت حيث شاءت ] : [ فإن تحولت ] يعني انتقلت من بيت الزوجية [ خوفاً ] مثل أن تكون مع زوجها في صحراء ويُخشى لا قدر الله أن يأتيها من يؤذيها في عرضها أو يأتيها السبع فحينئذٍ يجوز لها أن تتحول .
واختلف العلماء هل إذا تحولت تنظر إلى أقرب مكان بالنسبة لبيت الزوجية أم أنها إذا تحولت حل لها أي مكان ؟
وجهان للعلماء .
فائدة هذا الخلاف : أننا إذا قلنا تنظر إلى أقرب مكان لو أن امرأة في ضاحية من ضواحي مكة وخافت من البيت مثلاً ضعيفة في مكان منفرد ليس فيه أحد كان معها زوجها يقوم عليها ثم لما توفي عنها زوجها خافت وخُشي عليها في هذه الحالة إذا قلنا أنها تنتقل إلى أقرب مكان تنتقل إلى مكة يلزمها أن تحتد في مكة على القول أنها تنتقل إلى أقرب مكان لأنه امتنع هذا المكان فينظر إلى أقرب مكان يمكن أن تحتد فيه .
ومنهم من قال : تخير ويجوز لها أن تتنقل ولو إلى أي مكان ، وهذه المسألة لها نظائر منها إذا قلنا إن الزكاة تختص بالموضع الذي فيه المال فهل إذا لم يجد فقيراً في المكان الذي فيه المال هل ينتقل إلى أقرب مكان إليه أم أنه يخير في جميع الأمكنة ؟
هذه المسألة لها قاعدة عند العلماء-رحمهم الله- والذي اختاره بعض العلماء أن مقصود الشرع القرب نُظر إلى الأقرب ، وأما إذا كان الأمر على إطلاقه فإنه إذا تخلف المقيد حل للمكلف أن ينتقل إلى الكل على حد سواء ، وبناءً على هذا فإنه يقوى هنا أن يقال أنها تنتقل إلى أي مكان سواءً كان قريباً من المكان مثلاً لو كان عندها قريب من الموضع الذي توفي عنها زوجها فيه وقريب في موضع آخر بعيد فإنه يجوز لها أن تنتقل إلى القريب البعيد ويجوز لها أن تتنقل إلى القريب القريب على حدٍ سواء ولا تلزم بواحد منهما .
[ أو قهراً ] : يعني بالقوة والكره يقل لها ما تجلسين في هذا البيت يقع بعض الأحيان-نسأل الله السلامة والعافية- تكون هناك شحناء تكون امرأة تزوجها رجل وهي ليست بقريبة وجاءت مثلاً إلى أقرباء الزوج فغاروا منها فهذا كان يقع على اختلاف البيئات والأعراف والتقاليد إذا توفي الزوج الذي كان يحفظها تسلط أهل زوجها فقهروها وحولوها بالقوة أن تخرج من بيت الزوجية ، قالوا : نريد أن نبيع البيت ونريد أن نتصرف فيخرجونها أو غلبت بقوة وقهر وأكرهت على الإخراج فإن الإكراه يسقط التكليف ؛ لأن الله-تعالى- يقول : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } فأسقط الله بالإكراه الردة وهي أعظم شيء فمن باب أولى أن يسقط ما دونه مثل الحدادة .
[ أو بحق ] : مثل أن تحتد في بيت قال له رجل هذا البيت اسكنه ما دمت حياً فجاء وسكن في البيت وسكنت معه زوجته ثم توفي والزوجة في البيت والرجل يريد بيته ، والبيت ليس ببيت الزوج فحينئذٍ تخرج من البيت بحق ؛ لأن البيت بيتي ولي حق أن أخرجها ولي حق أن أبقيها فإن أبقاها ففضل وكرم ، وإن أخرجها فماله وحقه { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } ، فعلى كل حال إذا أخرجت هنا أخرجت بحق ، هكذا لو انتهت الأُجرة كان مستأجراً فمكثت شهراً ثم انتهت الإجارة فقال صاحب البيت : اخرجي فإنها تخرج .
[ انتقلت حيث شاءت ] : أي أنها لا تنظر إلى أقرب مكان من البيت الذي جاءها فيه نعيه .
[ ولها الخروج من بيتها نهاراً لا ليلاً ] : ولها أن تخرج لرزقها وحاجتها نهاراً مثل أن تكون عندها عمل أو عندها وظيفة أو تحتاج إلى كسب معيشة لها ولأولادها ؛ لأن النبي-
r- أذن للمرأة أن تخرج وَتَجِد فتتصدق وتنفع أولادها إذا احتاجت لذلك فإنها تخرج ولابأس بذلك في النهار ، ثم في الليل تأوي إلى بيت الزوجية وتحتد به .
[ وإن تركت الإحداد أثمت ] : لأن الله أمرها أن تجتنب فإذا لم تمتثل ما أُمرت باجتنابه أثمت إذا كانت عالمة وإذا كانت جاهلة لم تأثم ، أو كانت غير عالمة بوفاة زوجها يتوفى عنها زوجها وتمكث أربعة أشهر بعد الوفاة ولم يأتها الخبر ثم يأتيها الخبر بعد سنة بعد شهور وتتم عدتها فلا شيء عليها ؛ لكن إذا قصدت وعلمت فإنها آثمه ، ولا يلزمها أن تقضي لو أنها مثلاً تطيبت أثناء الحداد ولبست جميل الثياب فهذه آثمة ومن عصى الله ورسوله فإنه يُخشى عليه فإن المعاصي بريد إلى ما هو أعظم ولربما استدرج صاحبها إلى الكفر-والعياذ بالله- .
[ وتمت عدتها بمضي زمانها ] : سواءً علمت أو لم تعلم فإذا مضى الزمان عليها فإنها لا تلزم بقضاء ما فرطت فيه وامتنعت فيه من الأيام التي خلت .
قال المصنف-رحمه الله- : [ باب الاستبراء مَن ملك أمة يوطأ مثلها ] : مَن ملك أمة فخرج حكم الزواج فهنا سيتكلم على استبراء الأماء ، والإماء هن الرقيقات وهن من السبي الذي يكون من الجهاد في سبيل الله-
U- ، فالجهاد الشرعي إذا حصل الجهاد وأخذ الأسرى من الكفار فإن الإمام من حقه أن يضرب الرق على هؤلاء الأسرى وينظر المصلحة إن شاء ضرب رقابهم ، وإن شاء فادى ، وإن شاء ضرب الرق عليهم ، والرق لا يختص بلون ولا بجنس ولابطائفة في الإسلام فالرق لكل من كفر بالله-U- ؛ والسبب في ذلك والحكمة واضحة أن المشرك ومن ضاد العقيدة وخرج عن الدين والإسلام والتوحيد نزل إلى مستوى هو أردى من مستوى البهيمية لأن الله يقول : {ولقد كرمنا بنى آدم } فهذا التكريم من الله لبني آدم ؛ لكن إذا كفر بالله-U- فإنه خالف تكريم الله-U- فأصبح مهاناً بإهانة الله كما قال-تعالى- : { وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } وهذه الإهانة راجعة إلى قوله -I- : { إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } أي أنهم لما كفروا وأشركوا ولم يوحدوا الله-U- وصرفوا حق الله لخلقه أياً كان هذا الصرف فلو صرف ما لله لغيره حتى ولو كان لصالحٍ أو طالحٍ أو عظيم أو صغير أو أشرك مع الله-U- غيره تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً فإنه نزل إلى مستوى هو أهون وأحقر عند الله -U- وعند عباده المؤمنين من البهيمة كما قال : { إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } ففي هذا كان من الحق في الإسلام أن يضرب عليه الرق ؛ لأنه خرج عن تكريم الله-U- له حينما أعطاه العقل الذي يدله على وحدانية الله ويهديه فكفر بذلك وأنكره فَنُـزِّل هذه المنـزلة السيئة التي تليق بمثله ، فالإسلام لا يميز بالألوان ولا بالأحساب ولا بالأنساب ولا بالمدن ولا بالقرى ولا بالأمصار ولا بالأقطار ولا بالأعصار كل من كفر بالله وضاد الله-U- وحاد الله ودينه وشرعه فإنه إذا حكم بكفره وقاتل المسلمين ضرب عليه الرق .
فإذا ثبت هذا فالمرأة إذا أُخذت سبياً يعني أُخذت في السبي - طبعاً - إذا أخذ الأسارى وضرب عليهم الإمام الرق قُسِم هذا السبي بين المجاهدين ، فلو أخذ رجل امرأة سبياً في الجهاد في سبيل الله-
U- وهذا حكم بإجماع العلماء ونصوص الكتاب والسنة فيه واضحة ظاهره فإذا أُخذت هذه المرأة ملكاً لليمين وأراد أن يطأها لا يجوز له أن يطأها حتى يستبرئها ، ولذلك لما أخذ المسبيات في غزوة أوطاس وقام الرجل يريد أن يدخل على مسبيته وقد ظهر بها الحمل قال-عليه الصلاة والسلام- : (( أيريد أن يلم بها ؟! - يعني يصيبها - والذي نفسي بيده لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره )) فهذا يدل على أنه لا يجوز أن يطأ الأمة حتى يستبرئها ؛ لأنه في هذه الحالة يخلط بين مائه وبين ماء زوجها الذي كان معها قبل أن تؤخذ رقيقة ؛ لأن نساء الكفار يؤخذن وهن حوامل ويؤخذن وهن مستبرآت ونحو ذلك ، فعلى كل حال إن كان مثلها يوطء لا بد من استبرائهن ، ولذلك بين النبي -r- الحرمة فقال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه حرث غيره )) لأنها إذا كانت حاملاً من غيره ووطئها كان كأنما سقى ماءه ومنيه لحرث غيره لأن الولد ينتشي بماء الثاني فهذا أصل عند العلماء-رحمهم الله- باستبراء الإماء .
[ من ملك أمة يوطأ مثلها ] : يوطأ مثلها لأن القضية في استبراء الرحم ، وأما إذا كانت لا يوطأ مثلها كصغيرة ثم بلغت عنده سن الوطء حينئذٍ يجوز له أن يطأها ؛ لأن البراءة معلومة بالأصل .
[ من صغير وذكر وضدهما ] : يعني إذا اشتراها وملكها من صغير أو كبير فإنه لا يجوز له أن يطأها ؛ لأن الصغير لا يُنْـزِل ليس فيه ماء فلو كانت حاملاً فقد يقول قائل : ما دامت أن العلة هي خوف اختلاط الماء طيب لو اشتراها صغير؟
نقول : يمنع الصغير كما يمنع الكبير من وطئها .
[ من ] : بيانيه لقوله : من اشترى هذا عام شامل للصغير والكبير والذكر أياً كان .
[ حَرُمَ عليهِ وَطْؤُهَا ومقدماته قبل استبرائها ] : حرم عليه أن يطأ هذه الأمة وحرم عليه أن يستمتع بمقدمات الجماع حتى يستبرئها ، والبراءة المراد بها خلو الرحم من وجود الحمل من زوجها الذي كان معها قبل ، وهكذا لو اشتراها من غيره ؛ لأنه ربما كان الأول الذي كانت عنده قد وطئها وربما علقت منه وربما حملت منه فلا بد أن يستبرئ الأمة سواءً كان ذلك بالسبي أو كان بملك اليمين اشتراءً أو هبةً ، قال : وهبتك جاريتي قال : قبلت فأصبحت ملكاً له ولا يجوز له أن يطأها حتى يستبرئها .
[ واستبراء الحامل بوضعها ] : شرع-رحمه الله- في بيان بما تكون البراءة وتثبت براءة الرحم فقال إذا كانت حاملاً بوضعها ؛ لأن الله-تعالى- يقول : { وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فبين أن براءة رحم المرأة في عدتها بوضع الحمل فهذا أصل عند العلماء-رحمهم الله- أن الحامل عدتها وضع الحمل .
[ ومن تحيض بحيضة ] : وإذا كانت تحيض فإنها تستبرئ بحيضة وهذا فيه قضاء الصحابة-رضوان الله عليهم- ، وفيه بعض الأحاديث مرفوعة إلى رسول الله-
r- ، وعلى كل حال إذا استبرأت بحيضة حل له بعد ذلك أن يطأها على الاستبراء بالحيض عند الحنابلة-رحمهم الله- أنهم يرون أن القرء الأصل فيه أنه متعلق بالحيضات وتكون عندهم البراءة بالحيض كما هي في الطلاق يعني كما أنه في الطلاق تكون البراءة بالحيضات فكذلك أيضاً في الاستبراء .
[ والآيسة والصغيرة بمضي شهر ] : وإذا كانت الأمة التي اشتراها آيسة كبيرة سن بلغت سن الإياس وانقطع عنها الحيض فإنها يكون استبراؤها بالأشهر ، وهكذا إذا كانت صغيرة ؛ لأنها إذا كانت العدة ثلاثة أشهر لكل حيضة شهر ، كذلك أيضاً إذا كانت البراءة بحيضة فإنها تكون بشهر واحد فإذا اشترى صغيرة فإنه يستبرئها بشهر ثم بعد ذلك يطؤها ، وإذا اشترى آيسة من الحيض فيستبرئها شهراً .

@ @ @ @ @ الأسئلة @ @ @ @ @

السؤال الأول :
لو أن المرأة كانت من القواعد فهل تنطبق عليها أحكام الحداد كاملة ؟
الجواب :
بسم الله ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أمابعد :
فالحكم في وجوب الحداد شامل للنساء سواء كن كبيرات أو صغيرات ، فهذا أصل عام كما ذكرنا في النصوص الواردة في كتاب الله وسنة النبي-
r- حيث لم تفرق بين صغير ولا كبير فالحكم والأصل في هذا الحكم أنه يشمل الجميع ولا يختص بالبعض دون البعض ، وليس هناك دليل يدل على تخصيص البعض دون البعض في هذه المسألة ، والله - تعالى - أعلم .
السؤال الثاني :
ما حكم لبس النساء في مدة الإحداد لباساً واحداً مثل الأسود خاصة هل هذا يجوز ؟
الجواب :
التقيد بالأسود هذا من الحدث والبدعة بل إن بعض العلماء يقول : إن الأسود قد يكون جميلاً يعني في أنواع من الأسود جميلة ولا يكون بها الحداد ، وبل إنها تكون زينة لبس السواد في الحزن هذه كلها من المحدثات والبدع ، فالمرأة تلبس ما تيسر لها من الثياب التي لا زينة فيها ، وليس هناك نص وارد عن النبي-
r- بتكلف السواد وشراء السواد ، ويا ليت أن هذه العادة الممقوتة المذمومة تقطع بالصالحات والخيرات بتوجيه الناس ودلالتهم ؛ لأن هذا ليس له أصل التحديد بالسواد وقد قلنا إن بعض الأحيان يكون فيه نوع من الزينة والجمال فهذا كله من الحدث والبدعة لأن المشكلة الآن أن المرأة لو دُخل عليها في حداد غير لبسها للسواد أنكر النساء ذلك لأنهن يعتقدن أنه ما في حداد إلا إذا دخلت في ثوبها هذا ، وهذا لا شك أنه بدعة وحدث ، وعلى كل حال لا يجوز اعتقاد أمرٍ لم يدل عليه دليل من الشرع فهذا من البدع والمحدثات ، وفي الحداد كثير من البدع والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان وكل ما خالف نص الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح الأمة خاصة بإجماعهم فإنه يرد على صاحبه كائناً من كان سواءً كان ذلك في الملبوسات ، أو كان في طريقة العزاء وطريقة الحداد ووضع المرأة في حداد كل هذا إذا خالف شرع الله-U- وجاء بضيق وحرج خلاف اليسر الذي يسر الله به لعباده فإنه يرد وينبه الناس على أنه لا أصل له في شرع الله .

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحمَـْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَميْنَ وصلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارك على عبده ونبيّه محمد وعلى آله وصحبه أجمعيــــــــــن .